قولهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ﴾ ؛ قال ابنُ عباس :(نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي صُهَيْب بْنِِ سِنَانٍ وَعَمَّار بْنِ يَاسِرٍ وَأُمِّهِ سُمَيَّةَ وَأبيهِ يَاسِرٍ وَبلاَلٍ وَخَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ وَغَيْرِهِمْ، أخَذَهُمُ الْمُشْرِكُونَ فِي طَرِيْقٍ مَكَّةَ ؛ فَعَذَّبُوهُمْ، فَأَمَّا صُهَيْبُ فَقَالَ لَهُمْ : أنَا شَيْخٌ كَبِيْرٌ لاَ يَضُرُّكُمْ أمِنْكُمْ كُنْتُ أمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ، أُعْطِيْكُمْ جَمِيْعَ مَالِي وَمَتَاعِي وَذَرُونِي وَدِيْنِي نَشْتَرِيْهِ مِنْكُمْ بمَالِي، فَفَعَلُواْ ؛ فَأَعْطَاهُمْ مَالَهُ وَتَوَجَّهَ إلَى الْمَدِيْنَةِ. فَلَمَّا دَخَلَ الْمَدِيْنَةَ لَقِيَهُ أبُو بَكْرٍ فَقَالَ : رَبحَ الْبَيْعُ يَا صُهَيْبُ، قَالَ : وَبَيْعُكَ لاَ يَخْسَرُ، وَمَا ذَاكَ يَا أبَا بَكْرٍ! فَأَخْبَرَهُ بمَا نَزَلَ فِيْهِ ؛ وَهُوَ قَوْلُهُ :﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ﴾.
وَأمَّا سُمَيَّةُ وَيَاسِرٌ فقُتِلاَ، وَكَانَا أوَّلَ قَتِيْلَيْنِ قُتِلاَ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ. وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ لَهُمَا بمَكَّةَ :" اصْبرُواْ يَا آلَ يَاسِرٍ، فَإنَّ مَوْعِدَكُمُ الْجَنَّةَ " وَأمَّا الآخَرُونَ ؛ فَإنَّهُمْ أعْطُواْ عَلَى الْعَذَاب بَعْضَ مَا أرَادَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ كَلِمَةِ الْكُفْرِ وَسَب الإسْلاَمِ ؛ وَكَانَتْ قُلُوبُهُمْ مُطْمَئِنَّةً بالإيْمَانِ، فَتُرِكُواْ وَقَدِمُواْ الْمَدِيْنَةَ، وَفِيْهِمْ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ ﴾[النحل : ١٠٦].
ومعنى قوله :﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ﴾ على هذا التأويلِ الذي ذكرناهُ : ومِن الناس من يشرِي نفسَهُ ودينَهُ بمالهِ. وعن عمرَ وعليٍّ رضي الله عنهما : أنَّهما قالاَ في هذه الآيةِ :(هَوَ الرَّجُلُ يَأْمُرُ بالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ فَيُقْتَلُ عَلَيْهِ) فعلى هذا معنى قولهِ تعالى :﴿ يَشْرِي نَفْسَهُ ﴾ أي يبيعُ نفسَهُ يبذُلُها في الجهادِ في سبيل الله. وهذا من أسماءِ الأضدادِ، قال الشاعرُ في شريتُ بمعنى بعتُ : وَشَرَيْتُ بُرْداً لَيْتَنِي مِنْ بَعْدِ بُرْدٍ كُنْتُ هَامَهْأي هلكتُ. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ﴾ نُصب على أنه مفعولٌ لهُ ؛ كأنَّه قال : لابتغاءِ مرضاةِ الله. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ ﴾ ؛ أي رحيمٌ بهم يُرَغِّبُهُمْ في الخيرِ، ويُثِيْبُهُمْ عليهِ رأفةً بهم. ويقالُ إنَّهُ لرأفتهِ ورحمتهِ أمرَهم ببيعِ أنفسهم لكي ينالوا من كريمِ ثوابهِ ما هو خيرٌ لهم.