قولهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿ ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً ﴾ ؛ قال ابنُ عباس :(نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيْمَنْ أسْلَمَ مِنْ أهْلِ الْكِتَاب : عَبْدُاللهِ بْنُ سَلاَمٍ وَأصْحَابُهُ، وَذَلِكَ أنَّهُمْ عَظَّمُواْ السَّبْتَ وَكَرِهُواْ لُحُومَ الإبلِ وَألْبَانَهَا، وَاتَّقَواْ أشْيَاءَ كَانُواْ يَتَّقُونَهَا قَبْلَ أنْ يُسْلِمُواْ. وَقَالُواْ : يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّ التَّوْرَاةَ كِتَابُ اللهِ، فَدَعْنَا فَلْنُقِمْ فِي صَلاَتِنَا باللَّيْلِ ؟ فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ وَأمَرَهُمْ أنْ يَدْخُلُواْ فِي جَمِيْعِ شَرَائِعِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم).
ومعناها :﴿ ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً ﴾ أي في الإسلامِ، وقال مجاهدٌ :(فِي أحْكَامِ الدِّيْنِ وَأعْمَالِهِ). وأصلهُ من الاسْتِسْلاَمِ والانقيادِ ؛ ولذلك قيلَ للصلح : سِلْمٌ. وقال حذيفةُ في هذه الآية :(الإسْلاَمُ ثَمَانِيَةُ أسْهُمٍ : الصَّلاَةُ سَهْمٌ، وَالزَّكَاةُ سَهْمٌ، وَالصَّوْمُ سَهْمٌ، وَالْحَجُّ سَهْمٌ، وَالْعُمْرَةُ سَهْمٌ، وَالْجِهَادُ سَهْمٌ، وَالأَمْرُ بالْمَعْرُوفِ سَهْمٌ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ سَهْمٌ. وَقَدْ خَابَ مَنْ لاَ سَهْمَ لَهُ).
وقال الحسنُ رضي الله عنه :(مَعْنَى الآيَةِ :﴿ ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ تَكَلَّمُواْ بكَلِمَةِ الإيْمَانِ ؛ أيْ أقِيْمُواْ عَلَى الإيْمَانِ) حَثَّ اللهُُ تعالى بهذه الآيةِ جميعَ المؤمنين على الإسلامِ والطاعة لِمن يشري نفسه ؛ ألا تراهُ قال بعدَ ذلك :﴿ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ﴾ ؛ أي لا تفعلوا فعل ألَدِّ الْخِصَامِ. وقيلَ :﴿ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ﴾ أي لا تقتفوا آثارَهُ ؛ لأنَّ تَرْكَكُمْ شيئاً من شرائعِ الإسلام اتباعٌ للشيطان.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴾ ؛ أي إنه عدوٌّ لكم ظاهرُ العداوة، فإن قيل : كيفَ قال الله تعالى :﴿ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴾ وهو لَم يُبْدِ لنا شخصهُ ؟ قِيْلَ : قد كانَ إبداؤهُ العداوةَ لأبينا آدمَ عليه السلام حين امتنعَ من السُّجودِ له وقال : أنا خيرٌ منه، فكان إبداؤُه وإظهاره العداوةَ لأبينا آدم عليه السلام أبداءً وإظهاراً لنا.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ كَآفَّةً ﴾ أي جميعاً مأخوذٌ من : كَكَفْتُ الثَّوْبَ ؛ أي جَمَعْتُهُ وَضَمَمْتُ بَعْضَهُ إلَى بَعْضٍ. ومعنى كافَّة في اللغة : مشتقٌ من كَفَّ الشَّيْءَ يَكُفُّهُ ؛ أي مَنَعَهُ. وسميت الراحةُ مع الأصابع كفّاً ؛ لأنَّها يكفُّ بها عن سائر البدن. ورجلٌ مَكْفُوفٌ : أي كُفَّ بصرهُ عن النظرِ. ومنه قيل لحاشية القميصِ : كُفَّةُ ؛ لأنَّها تَمنعُ الثوبَ من أنْ ينتشرَ. وكلُّ مستطيلٍ فحرفه كُفُّة بالضم، وكل مستديرٍ فحرفه كِفَّةُ بالكسر نحو : كِفَّةُ الميزانِ.
واختلفَ القراءُ في السَّلَمِ ؛ فقرأ ابنُ عباس والأعمش :(السِّلْمِ) بكسرِ السين هنا وفي الأنفال وسورةِ محمدٍ. وقرأ أهل الحجاز والكسائي بالفتحِ، وقرأ حمزةُ وخَلَفٌ في الأنفال بالفتحِ وسائرها بالكسرِ، وقرأ الباقون هنا بالكسرِ والباقي بالفتح، وهما لغتان.