قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ﴾ ؛ الآية قال ابنُ عباس :(نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ جَوَاباً عَنْ سُؤَالِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ الأَنْصَارِيّ لَمَّا حَثَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الصَّدَقَةِ وَرَغَّبَ فِيْهَا النَّاسَ، وَذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ الْفَرَائِضِ ؛ قًَالَ عَمْرُو : يَا رَسُولَ اللهِ، بمَاذَا نَتَصَدَّقُ ؟ وَعَلَى مَنْ يُتَصَدَّقُ ؟ فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ). ومعناهُ يسألونَكَ أيَّ شيءٍ يتصدقون به، فقُل لهم : ما تصدقتُم به من مالٍ : فَعلى الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبيلِ ؛ والضِّيف النازلِ بكم.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ ؛ أي وما تفعلوه مِن خيرٍ من وجوه البرِّ فإنَّ اللهَ به عليمٌ يحصيَهُ ويجازيكم عليه، لا يضيعُ عنده عملُ عامل، فإن قيل : كيفَ يطابق في هذه الآيةِ جوابُ هذا السؤال ؛ لأنَّ السؤال إنَّما وقعَ على المنفقِ، والجوابُ إنَّما وقعَ على المنفَقِ عليه ؟ قيل : إن الجوابَ مطابقٌ لهذا السؤال ؛ لأن قوله : و ﴿ مَآ أَنْفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ ﴾ يتناول القليلَ والكثير لشمول اسمِ الخير، فكأن الجواب صدرَ عن القليل والكثيرِ مع بيان من تُصرف إليه النفقة ؛ لأن المسؤولَ إذا كان حكيماً يَعْلَمُ ما يحتاج إليه السائلُ ؛ أجابَ عن كل ما يحتاجُ إليه، كما " روي عن رسولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ مَاءِ الْبَحْرِ ؛ فَقَالَ :[هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ ؛ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ] " وإنَّما قالَ ذلك لأنه عَلِمَ أنَّهم لَمَّا جهلوا حُكم ماءِ البحر، فإنَّهم أشدُّ جهلاً بحكمِ ما فيه من المأكول، كذلك هؤلاء لَمَّا جهلوا الْمُنْفَقَ كان جهلهُم بالْمُنْفَقِ عليهم أكثرَ ؛ فلهذا ذكرَ الله المنفَقَ عليهم مع ذكر المنفَقِ.
واختلفوا في هذه النفقةِ المذكورة ؛ هل هي واجبةٌ أم لا ؟ قال الحسنُ :(الْمُرَادُ بهَا التَّطَوُّعُ عَلَى مَنْ لاَ يَجُوزُ وَضْعُ الزَّكَاةِ فِيْهِ كَالْوَالِدَيْنِ وَالْمَوْلُودِيْنَ ؛ وَوَضَعَ الزَّكَاةَ فِيْمَنْ يَجُوزُ وَضْعُهَا فِيْهِمْ). وقال السديُّ :(هَذِهِ الآيَةُ مَنْسُوخَةٌ بآيَةِ الزَّكَاةِ). والصحيح أنَّها ثابتةُ الحكمِ عامَّة في الفرضِ والتطوع ؛ لأن الآية متى أمكنَ استعمالُها لم يَجُزِ الحكمُ بنسخِها، ويحتملُ أن يكون المراد بها النفقةُ على الوالدين والأقربين إذا كانوا محتاجين.


الصفحة التالية
Icon