قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى ﴾ ؛ قال ابنُ عباس :(نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَار يُقَالُ لَهُ : أبُو الدَّحْدَاحَةِ، أتَى إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ : كَيْفَ نَصْنَعُ بالنِّسَاءِ إذَا حِضْنَ ؛ هَلْ نَقْرَبُهُنَّ أوْ لاَ ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ). فلما نزلت هذه الآيةُ عَمِدَ المسلمون إلى النساءِ الْحِيَّضِ فأخرجوهن من لبيوت كما كانت الأعاجمُ تفعلُ بنسائهم إذا حِضْنَ، وإذا فرغن واغتسلنَ ردُّوهن إلى البيوتِ، فقَدِمَ ناسٌ من الأعراب المدينةَ، فشَكَوا إلى رسولِ الله ﷺ عَزْلَ النساءِ عنهم، وقالوا : يا رسولَ اللهِ، إنَّ البردَ شديدٌ والثيابَ قليلةٌ وقد عزَلنا النساءَ، فإن آثَرْنَاهُنَّ بالثياب هَلَكَ أهلُ البيت برداً، وإذا آثَرْنَا أهلَ البيت هلكَ النساءُ الحِيَّضُ، وليس كلنا يَجِدُ وسعة فيوسعُ عليهم جميعاً، فقال ﷺ :" إنَّما أُمِرْتُمْ أنْ تَعْتَزِلُواْ مُجَامَعَتَهُنَّ إذَا حِضْنَ، وَلَمْ تُؤْمَرُواْ أنْ تُخْرِجُوهُنَّ مِنَ الْبُيُوتِ " وقرأ عليهمُ الآيةََ.
وقال بعضُهم : كانت العربُ في الجاهلية إذا حاضَت المرأَةُ، لَم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يُساكنُوها في بيت، ولم يجالسُوها على فراشِ كفعل اليهود والمجوسِ، فسألَ أبو الدَّحْدَاحِ رسولَ الله ﷺ عن ذلكَ، وقال : يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ نَصْنَعُ بالْحِيَّضِ ؟ فأنزل الله هذه الآية.
ووجهُ اتصالِ هذه الآية بما قبلها آية أخرى فيما تقدَّم " من " حديث نكاحِ من تحرمُ ومَن تحلُّ، فبيَّن الله بعده حالَ التحليلِ والتحريم بهذه الآية.
وقال ابنُ عباس :(مَا رَأيْتُ قَوْماً كَانُوا خَيْراً مِنْ أصْحَاب رَسُُولِ اللهِ ﷺ ؛ مَا سَأَلُوهُ إلاَّ عَنْ ثَلاَثَةَ عَشَرَ مَسْأَلَةٍ حَتَّى قُبضَ، كُلُّهُنَّ فِي الْقُرْآنِ :﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ ﴾[البقرة : ٢١٧]﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ ﴾[البقرة : ٢١٥]﴿ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ﴾[البقرة : ٢١٩]﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ ﴾[البقرة : ١٨٩]﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ﴾[البقرة : ٢١٩]﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى ﴾[البقرة : ٢٢٠]﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ﴾[البقرة : ٢٢٢]﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ﴾[الأعراف : ١٨٧]﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي ﴾[البقرة : ١٨٦]﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ ﴾[الأنفال : ١]﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ﴾[الإسراء : ٨٥]﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ ﴾[الكهف : ٨٣]﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ ﴾[طه : ١٠٥]).
ومعنى الآية :﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى ﴾ أي الدم مستقذر نجسٌ، وقال الكلبيُّ :(الأَذَى مَا يَعُمُّ وَيُكْرَهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍٍ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ فَاعْتَزِلُواْ النِّسَآءَ فِي الْمَحِيضِ ﴾ ؛ أي اعتزلوا مجامعتَهن وهن حيَّض، ﴿ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ ﴾ ؛ أي ولا تجامعوهنَّ حتى ينقطعَ عنهن الدمُ. عن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال : قال رسولُ الله ﷺ :" مَنْ وَطِئَ امْرَأتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ فَقُضِيَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فَأَصَابَهُ جُذَامٌ فَلاَ يَلُومَنَّ إلاَّ نَفْسَهُ ؛ وَمَنِ احْتَجَمَ يَوْمَ السَّبْتِ أو الأَرْبعَاءِ فَأَصَابَهُ وَضَحٌ فَلاَ يَلُومَنَّ إلاَّ نَفْسَهُ ".
فوطئُ النساءِ الْحِيَّضِ حرامٌ بنص القرآن، فإن وطأَها زوجها أثِمَ ولزمتهُ الكفارة، روي عنِ ابن عباس :