قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِالَّلغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَـاكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ ؛ اختلفَ العلماءُ في لَغْوِ اليمين المذكور في هذه الآيةِ ؛ فقال قومٌ : هو ما يَسْبقُ به اللسانُ على سرعةٍ وعجلة ليصلَ به كلامهُ من غير عَقْدٍ ولا قصدٍ ؛ مثلُ قول الإنسان : لاَ واللهِ ؛ بلى والله ؛ ونحو ذلكَ. فهذا لا كفَّارة فيه ولا إثْمَ عليه، وعلى هذا القولِ عائشةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا والشعبيُّ وعكرمة ومجاهدُ.
وقال أخرون : لَغْوُ الْيَمِيْنِ هو أنْ يحلفَ الإنسانُ على شيءٍ يرى أنه صادقٌ فيه، ثم تبينُ له خلاف ذلك ؛ فهو خطأٌ منه غير عمدٍ، فلا إثمَ عليه ولا كفارةَ ؛ وعلى هذا القولِ ابنُ عباس والزهري والحسن وإبراهيمُ النخعي وقتادة والربيعُ وزرارة بنُ أوفى ومحكولُ والسديُّ. وقال عليٌّ رضي الله عنه وطاووسُ :(اللَّغْوُ الْيَمِيْنُ فِي حَالَةِ الْغَضَب وَالضَّجَرِ مِنْ غَيْْرِ عَقْدٍ) وَلاَ عَزْمٍ)، ومثلهُ مرويٌّ عن ابن عباس. يدلُّ عليه قولهُ ﷺ :" لاَ يَمِيْنَ فِي غَضَبٍ ".
وقال بعضُهم : هو اليمينُ في المعصيةِ، لا يؤاخذهُ الله بالحنثِ في يمينه ويكفِّرُ، وبه قال سعيدُ بن جبيرٍ. وقال غيرهُ : ليس عليه في ذلك كفَّارة. وقال مسروقُ في الرجلٍ يحلفُ على المعصيةِ :(كَفَّارَتُهُ أنْ يَتُوبَ عَنْهَا، وَكُلُّ يَمِيْنٍ لاَ يَحِلُّ لَهُ أنْ يَفِيَ بهَا فَلَيْسَ فِيْهَا كَفَّارَةٌ ؛ وَلَوْ أمَرَهُ بالْكَفَّارَةِ لأَمَرْتُهُ أنْ يَتِمَّ عَلَى قَوْلِهِ). يدلُّ عليه ما رويَ عن رسولِ الله ﷺ أنه قالَ :" مَنْ نَذَرَ فِيْمَا لاَ يَمْلِكُ فَلاَ نَذْرَ لَهُ، وَمَنْ حَلَفَ عَلَى مَعْصِيَةٍ فَلاَ يَمِيْنَ لَهُ ".
وعنِ إبراهيم النخعيِّ قال :(لَغْوُ الْيَمِيْنِ أنْ يَصِلَ الرَّجُلُ كَلاَمَهُ بالْحَلْفِ، كَقَوْلِهِ : وَاللهِ لَيَأْكُلَنَّ ؛ وَاللهِ لَيَشْرَبَنَّ ؛ وَنَحْوِهَا، لاَ يَقْصِدُ بذَلِكَ الْيَمِيْنَ وَلاَ يُرِيْدُ بهِ حَلْفاً، فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِيْهِ كَفَّارَةٌ). يدلُّ عليه ما " رويَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ بقَوْمٍ يَنْتَضَّلُونَ وَمَعَهُمْ رَجُلٌ مِنْ أصْحَابهِ ؛ فَرَمَى رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَقَالَ : وَاللهِ أصَبْتُ ؛ وَاللهِ أخْطَأْتُ. فَقَالَ الرَّجُلُ الَّذِي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ : حَنَثَ الرَّجُلُ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ فَقَالَ ﷺ :[كُلُّ أيْمَانِ الرُّمَاةِ لَغْوٌ لاَ كَفَّارَةَ فِيْهَا وَلاَ عُقُوبَةَ ".
وقالت عائشةُ :(أيْمَانُ اللَّغْوِ مَا كَانَ فِي الْهَزْلِ وَالْمِرَاءِ وَالْخُصُومَةِ وَالْحَدِيْثِ الَّذِي لاَ يُعْقَدُ عَلَيْهِ الْقَلْبُ). وقال زيدُ بن أسلمَ :(هُوَ دُعَاءُ الْحَالِفِ لِنَفْسِهِ، كَقَوْلِهِ : أعْمَى اللهُ بَصَرِي إنْ لَمْ أفْعَلْ كَذَا، أخْرَجَنِي اللهُ مِنْ مَالِي إنْ لَمْ آتِكَ غَداً).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَلَـاكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ أي بما تعمَّدتم الكذبَ ؛ وهو أن يحلفَ على شيءٍ يعلمُ أنه ليس كذلكَ. والمعنى :(وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ } بما عزمتم وقصدتُم وتعمدتُم ؛ لأن كَسْبَ القلب العقدُ والنيةُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ ؛ أي ﴿ غَفُورٌ ﴾ لِمن تابَ من اليمين الغَمُوسِ، ﴿ حَلِيمٌ ﴾ حين رَخَّصَ لكم في الحنثِ ولم يعاقبكم على اليمينِ على ترك البرِّ.
واللَّغْوُ في اللغةِ : الْكَلاَمُ السَّاقِطُ الَّذِي لاَ فَائِدَةَ فِيْهِ وَلاَ حُكْمَ لَهُ، يقال : ألْغَيْتُ الشَّيءَ إذا طَرَحْتُهُ. وقد يذكرُ اللَّغو ويراد به الكلامُ الفاحشُ القبيح، قال اللهُ تعالى :﴿ وَإِذَا سَمِعُواْ اللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ ﴾[القصص : ٥٥] وقال تعالى :﴿ وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً ﴾[الفرقان : ٧٢].


الصفحة التالية
Icon