قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿ مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً ﴾ ؛ قال :(سبعين) :" لَمَّا أنْزَلَ اللهُ قَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿ مَن جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ﴾ قالَ ﷺ :[رَب زدْ أُمَّتِي] فَنَزَلَ ﴿ مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ﴾ فَقَالَ :[رَب زدْ أُمَّتِي] فَنَزَلَ ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ ".
وفي الآية استدعاءٌ إلى الانفاق والبرِّ في سبيل الله بألطفِ الكلام وأبلغهِ، وسَمَّاهُ الله قرضاً تأكيداً لاستحقاقِ الجزاء ؛ لأنه لا يكون قرضاً إلا والعوضُ مستحَقٌّ فيه. ومعنى الآيةِ : مَن ذا الذي يتصدقُ بصدقة طيبةٍ من نفس طيبةٍ لا يَمُنُّ بها على السائلِ ولا يؤذيه، قال الحسنُ :(هُوَ النَّفَقَةُ فِي أبْوَاب الْبرِّ مِنَ النَّفْلِ). وقال ابنُ زيد :(هُوَ الإنْفَاقُ فِي الْجِهَادِ فِي سَبيْلِ اللهِ). وقال الواقديُّ :(قَرْضاً حَسَناً) يَكُونُ الْمَالُ مِنَ الْحَلاَلِ). وقال سهلُ بن عبدالله :(هُوَ أنْ لاَ يَعْتَقِدَ بقَرْضِهِ عِوَضاً).
وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً ﴾ قرأ عاصم وأبو حاتم (فَيُضَاعِفَهُ) بالنصب، وقرأ ابن عامرٍ ويعقوب بالتشديدِ والنصب بغير ألِف، وقرأ ابنُ كثير وشيبةُ بالتشديد والرفعِ، وقرأ الآخرونَ بالألف والتخفيفِ ورفعِ الفاء. فمَن رَفَعَهُ عطفه على (يُقْرِضُ)، ومن نصبَ جعله جوابَ الاستفهام بالفاءِ. والتشديدُ والتخفيف لُغتان، ودليلُ التشديدِ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ أَضْعَافاً كَثِيرَةً ﴾ لأن التشديدَ للتكثيرِ.
قال الحسنُ والسديُّ :(هَذَا التَّضْعِيْفُ لاَ يَعْلَمُهُ إلاَّ اللهُ). قال أبو زيدٍ :(مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى :﴿ فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً ﴾ أي يُعْطِيَهُ سَبْعَمِائَةِ أمْثَالِهِ). كما قال تعالى في آيةٍ أخرى :﴿ مَّثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ ﴾[البقرة : ٢٦١]. وعن أبي عثمان النهديِّ قال : أدْخَلَ أبُو هُرَيْرَةَ إصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ وَقَالَ : صُمَّتَا إنْ لَمْ أكُنْ سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَقُولُ :" يُضَاعِفُ اللهُ لِلْمُؤْمِنِ حَسَنَةً إلَى ألْفَي ألْفِ حَسَنَةٍ ".
قولهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ ﴾ ؛ أي يُقَتِّرُ ويوسِّعُ على من يشاءُ من خلقهِ، ومنهُ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ﴾[التوبة : ٦٧] أي يُمسكوها عن النفقةِ في سبيل الله، وقولهُ :﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي الأَرْضِ ﴾[الشورى : ٢٧]. وقيل : معناهُ : يقبضُ الصدقاتِ ويبسطُ، والله يسلبُ النعمة من قومٍ ويبسطُها على قومٍ. وقيل : معناهُ : يقبضُ الصدقاتِ ويبسطُ عليها الجزاءَ عاجلاً وآجِلاً. وقيلَ : القبضُ والبسطُ الإحياءُ والإماتةُ، فمن أمَاتهُ الله فقد قَبَضَهُ، ومن مدَّ له في عمرهِ فقد بسطَ له.
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ ؛ أي ترجعونَ في الآخرة فيجزيكم بما قدَّمتم، وقد جهلتِ اليهودُ معنى هذه الآية أو تجاهلت حتى قالت : إن اللهَ يستقرضُ منا فهو فقيرٌ ونحن أغنياءُ كما قال تعالى :﴿ لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ ﴾


الصفحة التالية
Icon