قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿ اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾ ؛ ذكر وحدانيةِ الله تعالى وصفتهِ ؛ لِيُعْلِمَ أنَّ مَن كان بهذه الصفةِ لا يخفى عليه كُفْرُ مَن كَفَرَ ومعصيةُ من عصَى ؛ فيجازي كُلَّ عابدٍ على مَا عَمِلَ. فأولُ هذه الآية نفيُ معبودِ الكفَّار وإثباتُ معبودِ المؤمنين ؛ وإثباتُ الشيءِ مع نفي غيرهِ أبلغُ في الإثبات، كأنه قالَ :(اللهُ لا إلَهَ إلا هُوَ) دون غيرهِ، وهو المعبودُ لا معبودَ للخلقِ سواهُ.
ومعنى ﴿ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾ الدائمُ الذي لا يَموت موصوفٌ بالبقاءِ على الأبدِ، وبه حَيَِّى كلَّ حيٍّ. وأما القيومُ فهو القائمُ بتدبيرِ الخَلْقِ في شأنِهم وأرزاقِهم وأعمالهم وآجالِهم ومجازاتِهم على عملهم، وقيل : معنى القيومُ العالِمُ بالأمور من قولهم : فلانٌ يقومُ بهذا الكتاب ؛ أي يُحسنه ويعلمُ ما فيه. وقيل : معنى ﴿ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾ الدائمُ الذي لا يزولُ.
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ ﴾ ؛ أي لا يأخذه نُعَاسٌ ولا نوم. والنُّعَاسُ : اسمٌ لأوَّلِ ما يدخلُ في الرأسِ من النومِ قبل وصولِه إلى القلب. والنومُ هو الذي يصلُ إلى القلب فيُستثقَلُ. ومعنى الآية : لاَ يغفلُ عن تدبيرِ الخلق، فإن قيل : ما معنى نفي النومِ بعد نفي النعاسِ ؟ قلنا : مثلُ هذا اللفظِ إنَّما يكونُ لنفي قليلِ النوم وكثيرهِ، ونظيرهُ قول العرب : فلانٌ لا يَملكُ قليلاً ولا كثيراً.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ ﴾ ؛ أي هو مالك السموات والأرض وما فيهما، كلهم عبيده وإماؤه وتحت قبضته وقدرته.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ﴾ ؛ هذا جواب عن قول المشركين في أصنامهم :﴿ هَـاؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ ﴾[يونس : ١٨] و﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ﴾[الزمر : ٣] ؛ أي لا يشفع أحدٌ لأحد عند اللهِ إلا بأمره ورضائه، كما يشفع المؤمنون بعضهم لبعض بالدعاء، وكما يشفع الأنبياء للمؤمنين.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ ؛ أي ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ﴾ من أمرِ الآخرةِ، ﴿ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ مِن أمر الدنيا. قال مجاهدُ : على العكسِ من هذا. وقيل : يعلمُ الغيبَ الذي تَقَدَّمَهُمْ والذي يكونُ بعدَهم.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ ﴾ ؛ أي لا يعلمونَ الغيبَ لا مِمَّا تقدَّمَهم ولا مِمَّا يكون بعدَهم إلا بما شاءَ اللهُ أن يعلموه، وهو ما أنْبَأَ به الأنبياءَ صلواتُ اللهِ عليهم.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ ﴾ ؛ قال ابن عباس :(كُرْسِيُّهُ : عِلْمُهُ)، فَلاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ. وقيل : وَسِعَتْ قدرتهُ التي يُمسك بها السموات والأرضَ. وقال الحسنُ :(الْكُرْسِيُّ : هُوَ الْعَرْشُ)، ويقال : هو سريرٌ دونَ العرشِ، ويقال : هو مكانٌ خَلَقَ اللهُ فيه السمواتِ والأرضَ. وقال عطاءُ والكلبي ومقاتلُ :(السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُونَ السَّبْعُ تَحْتَ الْكُرْسِيِّ فِي الصِّغَرِ كَحَلَقَةٍ فِي فَلاَةٍ)
وقال الكلبيُّ :(يَحْمِلُ الْعَرْشَ أرْبَعَةُ أمْلاَكٍ، لِكُلِّ مَلَكٍ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ ؛ وَجْهُ إنْسَانٍ، وَوَجْهُ ثَوْرٍ، وَوَجْهُ أسَدٍ، وَوَجْهُ نَسْرٍ.


الصفحة التالية
Icon