قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿ ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ﴾ ؛ الآية، لَمَّا سبقَ في السورة ذكرُ أحكامٍ كثيرة أثنى اللهُ على مَن آمن بها وقَبلَهَا، وقال عَزَّ من قائلٍ :﴿ ءَامَنَ الرَّسُولُ ﴾ بجميعِ الأحكامِ التي أنزلَها اللهُ تعالى، وكذلك المؤمنونَ كلُّهم آمنوا باللهِ، وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَمَلائِكَتِهِ ﴾ ؛ إنَّما أتى بالملائكةِ لأن حَيّاً من خُزاعة كانوا يقولون : الملائكةُ بناتُ اللهِ، فقالَ ﷺ :" وَالْمُؤْمِنُونَ يَقُولُونَ : إنَّ الْمَلاَئِكَةَ عِبَادُ اللهِ ".
قولهُ :﴿ وَكُتُبِهِ ﴾ ؛ قرأ ابن عباس وعكرمةُ والأعمش وحمزة والكسائيُّ وخَلَفُ :(وَكِتَابهِ) بالألفِ. وقرأ الباقون (وَكُتُبهِ) بالجمعِ، وهو ظاهرٌ كقوله ﴿ وَمَلاَئِكَتِهِ وَرُسِلِهِ ﴾. وللتوحيدِ وجهان ؛ أحدُهما : أنَّهم أرادوا القرآنَ خاصَّةً، والثاني : أنَّهم أرادوا جميعَ الكُتُب ؛ كقول العرب : كَثُرَ الدرهمُ والدينار في أيدي الناسِ، يريدون الدراهمَ والدنانيرَ. يدلُّ عليه قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ ﴾[البقرة : ٢١٣].
وقَوْلُهُ تََعَالَى :﴿ وَرُسُلِهِ ﴾ ؛ قرأ الحسن :(وَرُسْلِهِ) بسكونِ السين لكثرةِ الحركات ؛ ﴿ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ﴾ ؛ أي لا نفعلُ كما فعلَ أهلُ الكتاب آمنوا ببعضِ الرسل وكفروا ببعضٍ. وفي مُصحفِ عبدِالله :(لاَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ أحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ). وقرأ جُرير بن عبدالله وسعيدُ بن جبيرٍ ويحيى بن يَعْمُرَ ويعقوبُ :(لاَ يُفَرِّقُ) بالياءِ، بمعنى لا يفرِّقُ الكلَّ، ويجوزُ أن يكون خبراً عن الرسولِ. وقرأ الباقون بالنون على إضمار القولِ ؛ تقديرهُ : قالوا لا نُفَرِّقُ، كقولهِ تعالى :﴿ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلاَمٌ عَلَيْكُم ﴾[الرعد : ٢٣-٢٤] ؛ أي يقولون : سلامٌ عليكم.
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ﴾ ؛ أي سَمعنا قولَك وأطَعنا أمرَكَ. وقيل : معنى ﴿ وَأَطَعْنَا ﴾ قَبلْنَا ما سَمعنا ؛ بخلافِ ما قالتِ اليهودُ. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴾ ؛ أي اغْفِرْ غُفْرَانَكَ يَا رَبَّنَا. وقيل : معناهُ : نسألُكَ غفرانَك. والأول مصدرٌ، والثاني مفعولٌ. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴾ أي نحنُ مقرُّون بالبعثِ. ومعنى قوله :﴿ وَإِلَيْكَ ﴾ أي إلى جَزَائِكَ ؛ وهذا كما قالَ عَزَّ وَجَلَّ حكايةً عن إبراهيمَ عليه السلام :﴿ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾[الصافات : ٩٩] أي إلى حيثُ أمرُ رَبي.
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿ لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ﴾ ؛ قرأ إبراهيمُ بن أبي عبلةَ :(إلاَّ وَسِعَهَا) بفتحِ الواو وكسرِ السين على الفعلِ ؛ يريدُ إلا وَسِعَهَا أمرُهُ.
ومعنى الآيةِ :﴿ لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً ﴾ فَرْضاً من فروضها من صومٍ أو صلاة أو صدقةٍ أو غير ذلك من حديثِ النفسِ ؛ إلا مقدارَ طاقتها كما قالَ ﷺ لِعِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ :" صَلِّ قَائِماً ؛ فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِداً ؛ فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبكَ تُومِئُ إيْمَاءٌ ".
قال قومٌ : لو كلَّفَ اللهُ العبادَ فوقَ وسعِهم لكان ذلك لهُ ؛ لأن الخلقَ خلقهُ والأمرَ أمره، ولكنه أخبرَ أنه لا يفعلهُ.