قال عَزَّ وَجَلَّ :﴿ ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ ﴾ ؛ معناهُ : يَا أيُّهَا الَّذِيْنَ صدَّقُوا بمُحَمَدٍ ﷺ والقُرآنِ أطيعُوا اللهَ حقَّ طاعتهِ، واثبُتوا على الإسلامِ حتَّى لا يُدْركُكُمُ الموتُ إلاَّ وَأنْتُمْ مُسْلِمُونَ. قال الكلبيُّ :(حَقَّ تُقَاتِهِ : أنْ يُطَاعَ فَلاَ يُعْصَى، وَأَنْ يُذْكَرَ فَلاَ يُنْسَى، وَأَنْ يُشْكَرَ فَلاَ يُكْفَرَ). وقال ابنُ عبَّاس :(هُوَ أنْ لاَ يُعْصَى طَرْفَةَ عَيْنٍ). وقال مجاهدُ :(مَعْنَاهُ : جَاهِدُواْ فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ ؛ وَلاَ يَأْخُذْكُمْ فِي اللهِ لَوْمَةَ لاَئِمٍ ؛ وَقُومُوا للهِ بالْقِسْطِ وَلَوْ عَلَى أنْفُسِكُمْ وَأَبْنَائِكُمْ).
فلما نزلَتْ هذه الآيةُ قالوا : يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ يَقْوَى عَلَى تَقْوَى اللهِ حَقَّ تُقَاتِهِ، وَشَقَّ ذلِكَ عَلَيْهِمْ، فأنزلَ اللهُ تعالى :﴿ فَاتَّقُواْ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾[التغابن : ١٦].
فصارَ ابتداءُ هذهِ الآية منسوخاً به، وإلى هذا ذهبَ قتادةُ ومقاتل وجماعةٌ من المفسِّرين. قال قتادةُ :(وَلَيْسَ فِي آلِ عِمْرَانَ مِنَ الْمَنْسُوخِ إلاَّ هَذِهِ الآيَةُ). وقال بعضُهم : لا يجوزُ أن يكلِّفَ اللهُ عبادَه ما لا يطيقون، وليست هذه الآيةُ منسوخةً، وإنَّما معناهُ : اتَّقُوا اللهَ فيما يحقُّ عليكم أن تَتَّقُوهُ فيهِ ؛ وهو ما فسَّرَه اللهُ تعالى في كتابهِ في مواضِعَ شتَّى.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ ﴾ أي مُؤْمِنُونَ، وقيل : مُخْلِصُونَ مُفَوِّضُونَ أمرَكم إلى اللهِ تعالى. وقال الفُضَيْلُ :(مُحْسِنُونَ الظَّنَّ باللهِ). وعن أنسٍ رضي الله عنه قالَ :(لاَ يَتَّقِي اللهَ عَبْدٌ حَقَّ تُقَاتِهِ حَتَّى يَخْزُنَ لِسَانَهُ).