قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿ وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ ؛ أي لِيَكُنْ منكم جَمَاعَةٌ يدعونَ إلى الصُّلح والإحسان، ويأمرونَ بالتوحيد واتِّباع مُحَمَّدٍ ﷺ وسائرِ الطَّاعات الواجبةِ ؛ ﴿ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ﴾ ؛ والشِّرْكِ وسائرِ ما لا يُعْرَفُ في شريعةٍ ولا سُنَّةٍ، ﴿ وَأُوْلَـائِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾، أي النَّاجُونَ من السَّخَطِ والعذاب، وإنَّما قال :﴿ وَلْتَكُن مِّنْكُمْ ﴾ ولم يقُلْ : وليَكُن مِنْكُمْ جَمِيْعُكُمْ ؛ لأنَّ الأمرَ بالمعروف والنهيَ عنِ المنكر فَرْضٌ على الْكِفَايَةِ، إذا قَامَ به البعضُ سَقَطَ عن الباقين، ويجوزُ أن يكون المرادُ بالأُمَّةِ العلماءَ في هذه الآية الذين يُحْسِنُونَ ما يَدْعُونَ إليه.
وذهب بعضُ المفسِّرين الى أنَّ المعنى : ولتكونوا كُلُّكُمْ، لكنْ (مِنْ) هُنا دخلت للتوكيدِ وتخصيصِ المخاطَبين من سائرِ الأجناسِ كما في قولهِ تعالى :﴿ فَاجْتَنِبُواْ الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ ﴾[الحج : ٣٠] أي فاجتنبوا الأوثانَ فإنَّها رجسٌ ؛ لا أنَّ المرادَ : فاجتنبوا بَعْضَ الأوثانِ دون بعضٍ، واللامُ في ﴿ وَلْتَكُن ﴾ لامُ الأمرِ.
وقولهُ :﴿ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ﴾ أي إلى الإسلامِ، ثم النهيُ عن المنكرِ على مراتبٍ ؛ أوَّلُها : الوعظُ والتَّخويفُ، فإن زالَ بذلكَ لم يَجُزْ للناهي أن يَتَعَدَّى عنهُ إلى غيره ما فوقَه، ثم بالإيذاءِ والنِّعال، ثم بالسَّوْطِ، ثم بالسِّلاح والقتالِ ؛ لأن المقصودَ زوالُ المنكرِ.
فَأمَّا إذا كان النَّاهي عن المنكرِ خائفاً على نفسِه، فقد قال ﷺ :" مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَراً فَلْيُغَيِّرْهُ بيَدِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبقَلْبهِ ؛ وَذَلِكَ أضْعَفُ الإيْمَانِ " وقالَ ﷺ :" مَنْ أمَرَ بالْمَعْرُوفِ وَنَهَى عَنِ الْمُنْكَرِ فَهُوَ خَلِيْفَةُ اللهِ فِي أرَضِهِ ؛ وَخَلِيْفَةُ رَسُولِهِ ؛ وَخَلِيْفَةُ كِتَابِهِ " وقَالَ ﷺ :" أؤُمُروْا بالْمَعْرُوفِ وَإنْ لَمْ تَعْمَلُواْ بهِ كُلِّهِ، وَانْهَواْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَإنْ لَمْ تَنْتَهُواْ عَنْهُ كُلَّهُ "
وقال عليٌّ رضي الله عنه :(أفْضَلُ الْجِهَادِ الأَمْرُ بالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ وَشَنْأَنُ الْفَاسِقِيْنَ). وَقَالَ أبُو الدَّرْدَاءِ :(لَتَأْمُرُنَّ بالْمَعْرُوفِ وَتَنْهُوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ ؛ وإلاَّ لَيُسَلِّطَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً ظَالِماً لاَ يُجِلُّ كَبيْرَكُمْ وَلاَ يَرْحَمُ صَغِيْرَكُمْ، وَيَدْعُو أخْيَارُكُمْ فَلاَ يُسْتجَابُ لَهَمْ ؛ يَسْتَنْصِرُونَ فَلاَ يُنْصَرُونَ ؛ وَيَسْتَغْفِرُونَ فَلاَ يُغفَرُ لَكُمْ). وقال حذيفة :(يَأَتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لأَنْ يَكُونَ فِيْهِمْ جِيْفَةُ حِمَار أحَبُّ إلَيْهِمْ مِنْ مُؤْمِنٍ يَأْمُرُهُمْ بالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ)، وقال الثوريُّ :(إذا كَانَ الرَّجُلُ مَحْبُوباً فِي جِيْرَانِهِ مَحْمُوداً عِنْدَ إخْوَانِهِ، فَاعْلَمْ أنَّهُ مُدَاهِنٌ).