قوله عزَّ وَجَلَّ :﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ ﴾ ؛ متصلٌ بقوله﴿ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ﴾[آل عمران : ١٣٤]. قال ابنُ مسعودٍ رضي الله عنه :" قَالَ الْمُسْلِمُونَ : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ كَانَتْ بَنُو إسْرَائِيْلَ أكْرَمَ عَلَى اللهِ مِنَّا، كَانَ أحَدُهُمْ إذا أذْنَبَ ذنْباً أصْبَحَتْ كَفَّارَةُ ذنْبهِ مَكْتُوبَةً عَلَى بَابِهِ : إجْدَعْ أنْفَكَ ؛ إجْدَعْ أُذُنَكَ ؛ إفْعَلْ كَذَا إفْعَلْ كَذا. فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؛ فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :" ألاَ أخْبرُكُمْ بخَيْرٍ مِنْ ذلِكَ " وَقَرَأَ عَلَيْهِمُ هَذِهِ الآيَاتِ " (. وقال عطاءُ :(نَزَلَتْ فِي أبي مُقْبلِ التَّمَّار ؛ أتَتْهُ امْرَأةٌ حَسْنَاءُ تَبْتَاعُ مِنْهُ تَمْراً، فَقَالَ : إنَّ هَذا التَّمْرَ لَيْسَ بجَيِّدٍ وَفِي الْبَيْتِ أجْوَدُ مِنْهُ، فَهَلْ لَكَ فِيْهِ ؟ فَقَالَتْ : نَعَمْ، فَذَهَبَ بهَا إلَى بَيْتِهِ وَضَمَّهَا وَقَبَّلَهَا، فَقَالَتْ لَهُ : اتُّقِ اللهَ سُبْحَانَهُ، فَتَرَكَهَا وَنَدِمَ عَلَى ذلِكَ، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَذَكَرَ لَهُ ذلِكَ ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ).
وقال ابنُ عبَّاسٍ ومقاتلُ والكلبيُّ :(آخَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ رَجُلَيْنِ ؛ أحَدُهُمَا مِنَ الأنْصَار ؛ وَالآخَرُ مِنْ ثَقِيْفٍ، فَخَرَجَ الثَّقَفِيُّ فِي غُزَاةٍ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَاسْتَخْلَفَ الأَنْصَاريَّ عَلَى أهْلِهِ، فَاشْتَرَى لَهُمْ لَحْماً ذاتَ يَوْمٍ، فَلَمَّا أرَادَتِ الْمَرْأةُ أنْ تَأَخُذ مِنْهُ ؛ دَخَلَ عَلَى إثْرِهَا ؛ فَدَخَلَتْ بَيْتاً فَتَبعَهَا، فَاتَّقَتْهُ بيَدِيْهَا، فَقَبَّلَ ظَاهِرَ كَفِّهَا، ثُمَّ نَدِمَ وَاسْتَحْيَا ؛ فَانْصَرَفَ، فَقَالَتْ لَهُ : وَاللهِ مَا حَفِظْتَ غَيْبَةَ أخِيْكَ ؛ وَلاَ وَاللهِ تَنَالُ حَاجَتَكَ. فَخَرَجَ الأَنْصَارِيُّ وَوَضَعَ التُّرَابَ عَلَى رَأَسِهِ، وَهَامَ عَلَى وَجْهِهِ يَسِيْحُ فِي الْجِبَالِ وَيَتَعَبَّدُ، فَلَمَّا رَجَعَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ غُزَاهُمْ لَمْ يَرَ الثَّقَفِيُّ أخَاهُ، فَسَأَلَ امْرَأَتَهُ فَقَالَتْ : لاَ كَثَّرَ اللهُ فِي الإخْوَانِ مِثْلَهُ، وَأَخْبَرَتْهُ فِعْلَهُ، فَخَرَجَ الثَّقَفِيُّ فِي طَلَبهِ، فَسَأَلَ عَنْهُ الرُّعَاءَ فِي الْجِبَالِ وَالْفَيَافِي حَتَّى دُلَّ عَلَيْهِ، فَوَافَاهُ سَاجِداً وَهُوَ يَقُولُ : رَب ذنْبي ذنْبي، فَقَالَ : يَا فُلاَنُ ؛ قُمْ فَانْطَلِقْ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ لَعَلَّ اللهَ أنْ يَجْعَلَ لَكَ مَخْرَجاً. فَأَقْبَلَ مَعَهُ حَتَّى قَدِمَ الْمَدِيْنَةَ، فَسَأَلَ أصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالُواْ : لاَ تَوْبَةَ لَكَ، أمَا تَعْلَمُ أنَّ اللهَ يَغَارُ لِلْغَازي فِي سَبيْلِهِ مَا لاَ يَغَارُ لِلْمُقِيْمِ، فَقَامَ عَلَى بَاب رَسُولِ اللهِ ﷺ وَقَالَ لَهُ : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ الذنْبُ الذنْبُ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ الصَّحَابَةُ، فَخَرَجَ يَسِيْحُ فِي الْجِبَالِ ؛ لاَ يَمُرُّ عَلَى حَجَرٍ وَلاَ مَدَرٍ وَلاَ سَهْلَةٍ حَارَّةٍ إلاَّ تَجَرَّدَ وَتَمَرَّغَ فِيْهَا، حَتَّى كَانَ ذاتَ يَوْمٍ عِنْدَ الْعَصْرِ نَزَلَ جِبْرِيْلُ بِتَوْبَتِهِ بِهَذِهِ الآيَةِ).
ومعناها :﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ ﴾ كبيرةً ﴿ أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ﴾ بفعلِ الصَّغيرةِ مثلَ النَّظرةِ واللَّمْسِ والغَمْزِ والتقبيلِ، ذكَرُواْ مقامَهم بين يديِّ الله وعقابه.