قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ ﴾ ؛ أي إنَّ الذين انْهزمُوا منكم يا معشرَ المؤمنين يومَ التقَى الْجَمْعَانِ ؛ جَمْعُ المسلمينَ وجَمْعُ المشركين، إنَّما اسْتَزَلَّهُمُ الشيطانُ عن أماكنِهم ببعضِ ما كَسَبُوا ؛ وهو مفارقةُ المكانِ الذي أمرَ رسولُ اللهِ ﷺ بحفظهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ ﴾ ؛ حينَ لَم يستأصِلْهم. ويقالُ في معنَى هذه الآيةِ : إنَّهم لَم يفرُّوا على جهةِ المعاندَةِ والفرار من الزَّحف، ولكنْ أذْكَرَهُمُ الشيطانُ خطايَاهُم التي كانَتْ منهُم ؛ فَكَرِهُواْ لقاءَ اللهِ إلاَّ على حالةٍ يرضَونَها، ولذلك عَفَا اللهُ عنهم.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ ؛ أي متجاوزٌ لذنوبهم لَمْ يُعَجِّلْ بالعقوبةِ عليهم. رويَ :(أنَّ رَجُلاً مِنَ الْخَوَارجِ أتَى عَبْدَاللهِ بْنَ عُمَرَ رضي الله عنه فَسَأَلَهُ عَنْ عُثْمَانَ رضي الله عنه : أكَانَ شَهِدَ بَدْراً ؟ قَالَ :(لاَ)، قَالَ : شَهِدَ بَيْعَةَ الرُّضْوَانِ ؟، قَالَ :(لاَ)، قَالَ : فَكَانَ مِنَ الَّذِينَ تَوَلَّوا يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ؟ قًَالَ :(نَعَمْ). فَوَلَّى الرَّجُلُ يَهُزُّ فَرَحاً، فَلَمَّا عَلِمَ ابْنُ عُمَرَ بُغْضَهُ لِعُثْمَانَ قَالَ لَهُ :(ارْجِعْ) ؛ فَرَجَعَ، فَقَالَ لَهُ :(أمَّا تَخَلُّفُهُ يَوْمَ بَدْرٍ ؛ فَإنَّ النّبيَّ ﷺ خَلَّفَهُ عَلَى ابْنَتِهِ رُقَيَّةُ يَقُومُ عَلَيْهَا، كَانَتْ مَرِيْضَةً فَتُوُفِّيَتْ يَوْمَ بَدْر، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ فِي الْغَزْوِ، وَعُثْمَانُ رضي الله عنه فِي تَكْفِيْنِ ابْنَةِ رَسُولِ اللهِ وَدَفْنِهَا وَالصَّلاَةِ عَلَيْهَا ؛ فَلَمَّا رَجَعَ النَّبيُّ ﷺ جَعَلَ أجْرَهُ كَأَجْرِهِمْ وَسَهْمَهُ كَسَهْمِهِمْ.
وَأَمَّا بَيْعَةُ الرُّضْوَانِ ؛ " فَقَدْ بَايَعَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بيَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى الْيُمْنَى، وَقَالَ :" هَذِهِ عَنْ عُثْمَانَ " وَيَسَارُ رَسُولِ اللهِ ﷺ خَيْرٌ مِنْ يَمِيْنِ عُثْمَانَ رضي الله عنه " )). وَأمَّا الَّّذِيْنَ تَوَلَّواْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ؛ فَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيْمٌ ؛ فَاجْهَدْ عَلَى جَهْدِكَ، فَقَامَ الرَّجُلُ حَزْنَانَ نَاكِساً رَأَسَهُ.