قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس وابنُ مسعودٍ وجابرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ : قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :" لَمَّا أُصِيْبَ إخْوَانُكُمْ يَوْمَ أحُدٍ ؛ جَعَلَ اللهُ أرْوَاحَهُمْ فِي أجْوَافِ طُيُور خُضْرٍ تَرِدُ أنْهَارَ الْجَنَّةِ ؛ وَتَأْكُلُ مِنْ ثِمَارهَا ؛ وَتَأْوي إلَى قَنَادِيْلَ مِنْ ذهَبٍ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَلَمَّا رَأواْ طِيْبَ مَنْقَلِهِمْ وَمَطْعَمِهِمْ وَمَشْرَبِهِمْ، وَمَا أعْطَى اللهُ مِنَ الْكَرَامَةِ ؛ قَالُواْ : يَا لَيْتَ إخْوَانِنَا عَلِمُواْ مَا أعَدَّ اللهُ لَنَا مِنَ الْكَرَامَةِ، وَمَا نَحْنُ فِيْهِ مِنَ النَّعِيْمِ، فَلَمْ يَنْكِلُواْ عِنْدَ اللِّقَاءِ وَلَمْ يَجْبَنُواْ فِي الْحَرْب، قَالَ اللهُ تَعَالَى : أنَا أبَلِّغُهُمْ عَنْكُمْ ؛ فَأنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ "
" وقال جابرُ بن عبدِالله الأنصاريِّ : قُتِلَ أبي يَوْمَ أحُدٍ وَتَرَكَ عَلَيَّ ثَلاَثَ بَنَاتٍ ؛ فَقَالَ ﷺ :" ألاَ أُبَشِّرُكَ يَا جَابرُ؟! " قُلْتُ : بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ :" إنَّ أبَاكَ حِيْنَ قُتِلَ أحْيَاهُ اللهُ تَعَالَى وَكَلَّمَهُ كِفَاحاً ؛ فَقَالَ : يَا عَبْدَاللهِ ؛ سَلْنِي مَا شِئْتَ، قَالَ : أسْأَلُكَ أنْ تُعِيْدَنِي إلَى الدُّنْيَا فأُقْتَلَ فِيْهَا ثَانِيةً، فَقَالَ : يَا عَبْدَاللهِ ؛ إنِّي قَضَيْتُ أنْ لاَ أعِيْدَ إلَى الدُّنْيَا خَلِيْقَةً قَبَضْتُهَا، قَالَ : يَا رَب فَمَنْ يُبْلِّغُ قَوْمِي مَا أنَا فِيْهِ مِنَ الْكَرَامَةِ ؟ قَالَ اللهُ : أنَا، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ ".
ومعنَى الآيةِ : وَلاَ تَظُنَّنَّ يا مُحَمَّدُ الشهداءَ المقتولينَ في طاعةِ الله. ﴿ أَمْوَاتاً ﴾ نُصِبَ على المفعولِ ؛ لأن الْحُسْبَانَ يتعدَّى إلى مفعولينِ، ﴿ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾ الجنَّة، سَمَّاهُمْ أحياءً ؛ لأنَّهم يأكلونَ ويتمتَّعون ويُرزقون كالأحياءِ. وقيل : سَمَّاهُمْ أحياءً ؛ لأنَّهم يُكتب لَهم في كلِّ سنةٍ ثوابَ غَزْوَةٍ، ويُشْرَكُونَ في فضلِ كلِّ جهادٍ إلى يومِ القيامة. وقيل : لأنَّ أرواحَهم تركعُ وتسجدُ كلَّ ليلةٍ تحتَ العرشِ إلى يومِ القيامة كأرواحِ الأحيَاء. وقيل : لأنَّ الشهيدَ لاَ يَبْلَى في الأرضِ ولا يتغيَّرُ في القبرِ. ويقالُ : أرْبَعَةُ لاَ تَبْلَى أجْسَادُهُمْ : الأَنْبيَاءُ ؛ وَالْعُلَمَاءُ ؛ وَالشُّهَدَاءُ ؛ وَحَمَلَةُ الْقُرْآنِ.
وعن عبدِالله بنِ عبدِالرَّحمن :(أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ عَمْرَو بْنَ الْجَمُوحِ، وَعَبْدَاللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْحَرَامِ الأَنْصَاريَّيْنِ كَانَا قَدْ أخْرَبَ السَّيْلُ قَبْرَيْهِمَا وَكَانَا فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ ؛ وَهُمَا مِمَّنِ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَكَانَ قَبْرَهُمَا مِمَّا يَلِي السَّيْلَ، فَوُجِدَا فِي قَبْرِهِمَا لَمْ يَتَغَيَّرَا كَأَنَّمَا مَاتَا بالأَمْسِ، وَكَانَ بَيْنَ أحُدٍ وَبَيْنَ خَرَاب السَّيْلِ سِتٌّ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً).
وقيل : سموا أحياءً ؛ لأنَّهم لم يُغَسَّلُواْ كما تُغَسَّلُ الأحياءُ. قال ﷺ :" زَمِّلُوهُمْ بدِمَائِهِمْ وَكُلُومِهِمْ ؛ فَإنَّهُمْ يُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بدِمَائِهِمْ ؛ اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ ؛ وَالرِّيْحُ ريْحُ الْمِسْكِ " قرأ الحسنُ وابن عامر (قُتِّلُوا) بالتشديدِ.