قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ ﴾ ؛ قرأ حمزة بالتَّاء على الخطاب للنبيِّ ﷺ ؛ أي لا تَظُنَّنَّ يا مُحَمَّدُ اليهودَ والنصارى والمنافقين إنَّ إمْلاَءَنَا لَهم خيرٌ لَهم من أنْ يَموتوا كما ماتَ شهداءُ أحُدٍ. وقيل : معناهُ : لا تحسبنَّ يا مُحَمَّدُ أمْلِى لَهم لِخيرٍ وتوبةٍ تقعُ منهم، ﴿ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً ﴾، إنَّما إمْلاَؤُنَا لَهُمْ لتكونَ عاقبةُ أمرِهم أنْ يزدادُوا بذلكَ معصيةً على معصيةٍ ؛ ﴿ وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴾ ؛ يُهَانُونَ فيه.
وقيل : إنَّ المرادَ بالذينَ كفروا كفَّارَ مَكَّةَ ؛ أي لا تَظُنَّنَّ ما أصابُوه يومَ أحدٍ من الظَّفر خيرٌ لأنفسِهم، وإنَّما كان ذلكَ ليزدادُوا معصيةً فَيُزَادُ في عقوبتِهم. وقرأ الباقون :(وَلاَ تَحْسَبَنَّ) بالتاء معناه : لا تحسبنَّ الكفارَ إملاءَنا إياهُم خيرٌ لَهم، وَالإمْلاَءُ في اللُّغة : إطَالَةُ الْمُدَّةِ وَالإمْهَالِ وَالتَّأْخِيْرِ، ومنهُ قَوْلُهُ﴿ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً ﴾[مريم : ٤٦] أي دَهْراً طويلاً. قال ابنُ مسعود :(مَا مِنْ نَفْسٍ بَرَّةٍ وَلاَ فَاجِرَةٍ إلاَّ وَالْمَوْتُ خَيْرٌ لَهَا مِنَ الْحَيَاةِ، أمَّا الْفَاجِرَةُ فَقَدْ قَالَ اللهُ :﴿ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً ﴾[آل عمران : ١٧٨] ؛ وَأمَّا الْبَرَّةُ فَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى :﴿ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ ﴾[آل عمران : ١٩٨).


الصفحة التالية
Icon