قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾ ؛ أي أطيعُوا اللهَ تعالى فيما أمَرَ ؛ وأطيعُوا الرسُولَ فيما بَيَّنَ. وَقِيْلَ : أطيعُوا اللهَ في الفرائضِ، وأطيعُوا الرسولَ في السُّنَنِ.
وقولهُ تعالى :﴿ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾ قال عكرمةُ :(هُوَ أبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ) لِقَوْلِهِ ﷺ :" اقْتَدُوا مِنْ بَعْدِي بأبي بَكْرٍ وَعُمَرَ "، " وَإنَّ لِي وَزَيْرَيْنِ فِي الأَرْضِ ؛ وَوَزيْرَيْنِ فِي السَّمَاءِ، فَبالسَّمَاءِ جِبْرِيْلُ وَمِيْكَائِيْلُ، وَبالأَرْضِ أبُو بَكْرٍ وَعُمَرَ "، " عِنْدِي بمَنْزِلَةِ الرَّأسِ مِنَ الْجَسَدِ " وقال الورَّاق :(هُمْ أبُو بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٌّ لقولهِ ﷺ :" الْخِلاَفَةُ بَعْدِي فِي أرْبَعَةٍ مِنْ أُمَّتِي : أبي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيَّ " وقال عطاءُ :(هُمْ الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ وَالتَّابعُونَ بإحْسَانٍ لقولهِ تعالى :﴿ وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ ﴾[التوبة : ١٠٠] الآية. وَقِيْلَ : هم أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ كما قالَ :" أصْحَابي كَالنُّجُومِ ؛ بَأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ "
وقال جابرُ بن عبدِالله والحسنُ والضحَّاك ومجاهدُ :(هُمُ الْفُقَهَاءُ وَالْعُلَمَاءُ أهْلُ الدِّيْنِ وَالْفَضْلِ) الَّذِيْنَ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ مَعَالِمَ دِيْنِهِمْ ؛ وَيَأَمُرُونَهُمْ بالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَأَوْجَبَ اللهُ عَلَى الْعِبَادِ طَاعَتَهُمْ. قال ابنُ الأسودِ :(لَيْسَ شَيْءٌ أَعَزُّ مِنَ العِلْمِ، فَالْمُلُوكُ حُكَّامٌ عَلَى النَّاسِ، وَالْعُلَمَاءُ حُكَّامٌ عَلَى الْمُلُوكِ). وقال أبو هريرةُ :(هُمْ وُلاَّةُ الْمُسْلِمِيْنَ). وقال الكلبيُّ ومقاتلُ :(هُمْ أمَرَاءُ السَّرَايَا، كَانَ ﷺ إذا بَعَثَ سَرِيَّةً أمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلاً، وَأَمَرَهُمْ أنْ يُطِيْعُوهُ وَلاَ يُخَالِفُوهُ).
والأظهرُ مِن هذه الأقاويلِ : أن المرادَ بهم العلماءُ لقولهِ تعالى :﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾ ؛ أي فإنِ اخْتَلَفْتُمْ في شيءٍ من الحلالِ والحرام والشرائعِ والأحكام، فردُّوه إلى أدلَّةِ الله وأدلَّة رسولهِ، وهذا الردُّ لا يكون إلاّ بالاستدلالِ والاستخراج بالقياسِ ؛ لأن الموجودَ في نصِّ الكتاب اذا عُلِمَ وَعُمِلَ به لا يوصفُ بأنه رَدٌّ إلى الكتاب، وإنَّما يقالُ : هو اتِّبَاعٌ للنَّصِّ، وغيرُ العلماءِ لا يعلمونَ كيفيَّةَ الردِّ إلى الكتاب والسُّنة ولا دلائلِ الأحكامِ، والجواب قولهُ تعالى :﴿ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ﴾ ؛ دليلٌ على أن الإيْمَانَ اتِّبَاعُ الكتاب والسُّنة والإجماعِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴾ ؛ أي رَدُّ الخلافِ إلى اللهِ والرسول خيرٌ من الإصرار على الاختلافِ وأحسنُ عاقبةً لكم، ويقالُ : أحسنُ تأويلاً من تأويلِكم الذي تُؤَوِّلُونَهُ من غيرِ رَدِّ ذلكَ إلى الكتاب والسُّنة. وعن عمرَ رضي الله عنه أنه قالَ :(الرُّجُوعُ إلَى الْحَقِّ خَيْرٌ مِنَ التَّمَادِي فِي الْبَاطِلِ).


الصفحة التالية
Icon