قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ الله ﴾ ؛ أي وإن أصابَكم أيُّها المؤمنون ظَفَرٌ وغَنِيْمَةٌ، ﴿ لَيَقُولَنَّ ﴾ ؛ هذا الْمُبْطِئُ نَادِماً، ﴿ كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يالَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ ﴾ ؛ في الغَزْو فأُصيبَ حظّاً وافراً وغنائمَ كثيرةً. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ ﴾ ؛ قال بعضُهم : هو معرضٌ بين اليمينِ وما قبلَهُ ؛ تقديرهُ : وَلَئِنْ أصَابَكُمْ فضلٌ من اللهِ ليقولَنَّ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُم، ﴿ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾ ؛ كأنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ ؛ أي يتمنَّى أن ينالَ مِن غيرِ أن يريدَ الجهادَ والقتال، وقيلَ : هو متصلٌ بقولهِ ﴿ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً ﴾ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ ؛ أي صِلَةٌ في الدِّين ومعرفةٌ في الصُّحبةِ، كأنهُ لم يُعَاقِدْكُمْ قَبْلَ أن يجاهدَ معكم.
ثُمَّ أمرَ اللهُ تعالى كُلَّ مَنْ عَقَدَ الإيمانَ بالقتالِ ؛ فقال عَزَّ وجَلَّ :﴿ فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ ﴾ ؛ أي لِيُقَاتِلْ في طاعةِ الله ورضَائِهِ الذين يَبْيعونَ الحياةَ الدُّنيا بالآخرةِ وهم المؤمنونَ. وَقِيْلَ : معناهُ : إنَّ الخطاب لِلْمُبْطِئِيْنَ ؛ ومعنى ﴿ يَشْرُونَ ﴾ : يَخْتَارُونَ الحياةَ الدُّنيا على الآخرةِ. وهذا اللفظُ من الأضدادِ، يقالُ : شَرَيْتُ بمَعْنَى بعْتُ، وَشَرَيْتُ بمَعْنَى اشْتَرَيْتُ، فيكون معنى الآيةِ على هذا : آمِنُوا ثُمَّ قاتِلوا، لإنة لا يجوزُ أن يكونَ الكافرُ مأموراً بشيءٍ يتقدَّم على الإيْمانِ.
ثم ذَكَرَ اللهُ تعالى فضلَ الْمُجَاهِدِيْنَ ؛ فَقَالَ :﴿ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ ؛ أي في الجهادِ الذي هو طاعةُ اللهِ تعالى ؛ ﴿ فَيُقْتَلْ ﴾ ؛ هو ؛ ﴿ أَو يَغْلِبْ ﴾ ؛ العدوَّ ؛ ﴿ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ﴾ ؛ فسوفَ نُعْطِيْهِ في كِلاَ الوجهينِ ثواباً وافراً في الجنَّة، وسَمَّى اللهُ تعالى الثوابَ عظيماً ؛ لأنه نالَ ثمناً مِن العزيزِ بأغلَى الأثْمانِ، وقد يكون ثَمَنُ الشيءِ مثلَهُ، ويكون وَسَطاً من الأثْمانِ.


الصفحة التالية
Icon