قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ ؛ معناهُ : أيُّ شيءٍ لكم أيُّها المؤمنون في تَرْكِ الجهادِ مع اجتماعِ الأسباب الموجبَة للتحريضِ عليهِ، وقولهُ تعالى :﴿ لاَ تُقَاتِلُونَ ﴾ في موضعِ نصبٍ على الحال كأنهُ قال : وَمَا لََكُمْ تَاركِيْنَ الْجِهَادَ ؟ كما قالَ تعالى في آيةٍ أخرى﴿ فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ﴾[المدثر : ٤٩].
وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ ﴾ ؛ في موضعِ خَفْضٍ بإضمار (في) ؛ معناهُ : وفِي بيان المستضعفينَ ؛ أي وفي نُصْرَةِ المستضعفينَ، ويجوزُ أن يكون معناهُ : وعَنِ الْمُسْتَضْعَفِيْنَ ؛ أي لِلذب عن المستضعفينَ، ﴿ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَآءِ وَالْوِلْدَانِ ﴾ ؛ الذين هم بمَكَّةَ وَيَلْقَوْنَ فيها أذىً كثيراً وهم : سَلَمَةَُ بْنُ هِشَامٍ وَالْوَلِيْدُ بْنُ الْوَلِيْدِ وَعبَّاسُ بْنُ رَبيعَةَ وغيرَهم، كانوا أسْلَمُوا بمَكَّةَ فأراد عشائِرُهم من أهلِ مكَّة بعدَ هجرةِ النبيِّ ﷺ أن يفتنوهم عنِ الإسلامِ. يقولُ الله تعالى : مَا تُقَاتِلُونَ المشركينَ في خَلاَصِ هؤلاء الضُّعفاءِ ؛ ﴿ الَّذِينَ ﴾ ؛ يسألونَ اللهَ ؛ ﴿ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَـاذِهِ الْقَرْيَةِ ﴾ ؛ أي خَلِّصْنَا من هذه القَرْيَةِ ؛ يَعْنُونَ مَكَّةَ ؛ ﴿ الظَّالِمِ أَهْلُهَا ﴾ ؛ أي الكفَّارُ أهلُها، ﴿ وَاجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً ﴾ ؛ أي مِن عندك حَافِظاً يحفظُنا من أذاهُم، ﴿ وَاجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ ﴾ ؛ مِنْ عِنْدِكَ ؛ ﴿ نَصِيراً ﴾ ؛ أي مَانِعاً يَمْنَعُنَا منهم. فاستجابَ اللهُ دعاءَهم، وجعلَ لَهم النبيَّ ﷺ حافِظاً وناصِراً بفتحِ مكة على يديهِ، واستعملَ عليهم عَتَّابَ بنَ أُسَيْدِ، عتاب يُنْصِفُ الضعيفَ من الشديدِ.


الصفحة التالية
Icon