قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُو ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :" نَزَلَتْ فِي مِرْدَاسِ بْنِ نُهَيْكٍ ؛ كَانَ مُسْلِمَاً لَمْ يُسْلِمْ مِنْ قَوْمِهِ غَيْرُهُ، فَسَمِعُوا بسَرِيَّةٍ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ تُرِيْدُهُمْ فَهَرَبُوا كُلُّهُمْ، وأَقَامَ الرَّجُلُ فِي غَنَمِهِ ؛ لأَنَّهُ كَانَ عَلَى دِيْنِ الْمُسْلِمِيْنَ، فَلَمَّا رَأَى الْخَيْلَ خَافَ أنْ يَكُونُواْ مِنْ غَيْرِ أصْحَاب رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ فَأَلْجَأَ غَنَمَهُ إلَى عَاقُولٍ مِنَ الْجَبَلِ وَهُوَ الْعِوَجُ، فَلَمَّا سَمِعَهُمْ يُكَبرُونَ عَرَفَ أنَّهُمُ الصَّحَابَةُ ؛ فَكَبَّرَ وَنَزَلَ وَهُوَ يَقُولُ : لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ ؛ السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ، فَغَشَاهُ أسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ فَقَتَلَهُ وَسَاقَ غَنَمَهُ، وَكَانَ أمِيْرُ السَّرِيَّةِ غَالِبَ بْنَ فُضَالَةَ اللَّيْثِيّ، ثُمَّ رَجَعُواْ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ، فَوَجَدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ ذلِكَ وَجْداً شَدِيْداً وَقَالَ :" قَتَلْتُمُوهُ إرَادَةَ مَا مَعَهُ " فأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ ؛ فَقَرَأهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى أسَامَةَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ اسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ :" فَكَيْفَ بلاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ! ؟ " قَالَ ذلِكَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ لَهُ بَعْدَ ثَلاَثِ مَرَّاتٍ، وَأَمَرَهُ أنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً ".
وعن الحسن :(أنَّ أنَاساً مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ لَقُوا أنَاساً مِنَ الْمُشْرِكِيْنَ فَحَمَلُوا عَلَيْهِمْ، فَشَدَّ رَجُلٌ مِنْهُمْ وَمَعَهُ مَتَاعٌ، فَلَمَّا غَشِيَهُ السَّيْفُ قَالَ : إنِّي مُسْلِمٌ، فَكَذبَهُ ثُمَّ أوْجَرَ السِّنَانَ وَأخَذ مَتَاعَهُ، وَكَانَ وَاللهِ قَلِيْلاً، فَأُخْبرَ بذلِكَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم.
قالَ جُنْدُبُ بْنُ سُفْيَان :" وَلَقَدْ كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حِيْنَ جَاءَ السَّيْفُ، وَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ بَيْنَما نَحْنُ نَطْلُبُ الْقَوْمَ وَقَدْ هَزَمَهُمُ اللهُ تَعَالَى إذْ لَحِقْتُ رَجُلاً بالسَّيْفِ، فَلَمَّا أحَسَّ السَّيْفَ وَاقِعٌ بهِ، قَالَ : إنِّي مُسْلِمٌ ؛ إنِّي مُسْلِمٌ ؛ فَقَتَلْتُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :" قَتَلْتَ مُسْلِماً! " قَالَ : يَا نَبيَّ اللهِ ؛ إنَّهُ قَالَ ذلِكَ مُتَعَوِّذاً، فَقَالَ :" فَهَلاَّ شَقَقْتَ عَنْ قَلْبهِ! فَنَظَرْتَ أصَادِقاً هُوَ أمْ كَاذِباً " قَالَ : لَوْ شَقَقْتُ عَنْ قَلْبهِ مَا كَانَ يُعْلِمُنِي ؛ هَلْ قَلْبُهُ إلاَّ بضْعَةٌ مِنْ لَحْمٍ، قَالَ :" فَأنْتَ قَتَلْتَهُ ؛ لاَ مَا فِي قَلْبهِ عَلِمْتَ ؛ وَلاَ لِسَانَهُ صَدَّقْتَ ؛ إنَّمَا يُعَبرُ عَنْهُ لَِسانُهُ " فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ اسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ :" لاَ أسْتَغْفِرُ لَكَ " قَالَ : فَمَا لَبثَ الْقَاتِلُ أنْ مَاتَ فَدَفَنُوهُ ؛ فَأَصْبَحَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ إلَى جَانِب قَبْرِهِ، فَعَادُواْ فَحَفَرُواْ لَهُ وَأمْكَنُوا فَدَفَنُوهُ ؛ فَأَصْبَحَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ ثَلاَث مَرَّاتٍ، فَلَمَّا رَأى ذلِكَ قَوْمُهُ اسْتَحْيَوا وَحَزِنُوا وَأخَذُواْ برِجْلِهِ فَألْقَوْهُ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَاب، فَقَالَ ﷺ :" لاَ ؛ إنَّهَا لَتَنْطَبقُ عَلَى مَنْ هُوَ أعْظَمُ جُرْماً مِنْهُ، وَلَكِنْ أرَادَ اللهُ أنْ يُبَيِّنَ لَكُمْ حُرْمَةَ الدَّمِ ".