قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿ وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً ﴾ ؛ أي مَن يَخْرُجْ في سبيلِ الله الذي أمرَ اللهُ بالْهِجْرَةِ فيهِ وهو سبيلُ المدينةِ ؛ يَجِدْ في الأرض مُتَحَوَّلاً كثيراً وَمُتَزَحْزَحاً عَمَّا يكرهُ. وقولهُ تعالى :﴿ وَسَعَةً ﴾ أي سَعَةً في الرِّزْقِ. وقال قتادةُ :(سَعَةً فِي إظْهَار الدِّيْنِ) وإنَّما قال ذلكَ كان يلحقُهم من الضِّيْقِ من جهةِ الكفَّار في إظهار دِينهم.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس : لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً ﴾ سَمِعَهَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي اللَّيْثِ شَيْخٌ كَبيْرٌ يُقَالُ لَهُ جُنْدُعُ بْنُ ضَمِرَةَ فَقَالَ : أنَا وَاللهِ مِمَّنِ اسْتَثْنَانَا اللهُ تَعَالَى فَإنِّي لاَ أجِدُ حِيْلَةً، وَاللهِ لاَ أبِيْتُ لَيْلَةً بَمَكَّةَ، فَخَرَجُواْ بهِ يَحْمِلُونَهُ عَلَى سَريْرِهِ ؛ فَأَتَواْ بهِ التَّنْعِيْمَ فَأَدْرَكَهُ الْمَوْتُ، فَصَفَّقَ بيَمِيْنِهِ عَلَى شِمالِهِ ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ إنْ كَانَ هَذِهِ لَكَ وَهَذِهِ لِرَسُولِكَ أبَايعُكَ عَلَى مَا بَايَعَكَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؛ فَمَاتَ حَمِيْداً.
فَبَلَغَ ذلِكَ أصْحَابَ النَّبيِّ ﷺ وَكَانُواْ يَقُولُونَ : لَوْ بَلَغَ إلَيْنَا لَتَمَّ أجْرُهُ، وَضَحِكَ الْمُشْرِكُونَ وَقَالُواْ : مَا أدْرَكَ مَا طلَبَ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ ﴿ وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً ﴾. أي مهاجِراً قومَهُ وأهلَه وولدَه إلى طاعةِ الله وطاعةِ رسوله ؛ ﴿ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ ﴾ ؛ في الطريقِ ؛ ﴿ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ اللَّهِ ﴾ ؛ فقد وجبَ ثوابهُ على اللهِ الْمَلِيءُ الوفِيُّ بوعدهِ، ﴿ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً ﴾ ؛ بما كان منهُ في الشِّرْكِ ؛ ﴿ رَّحِيماً ﴾ ؛ بهِ في الإسلامِ.


الصفحة التالية
Icon