قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿ وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ ﴾ ؛ الآيةُ، قال ابنُ عبَّاس :(لَمَّا رَأى الْمُشْرِكُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَأصْحَابَهُ قَامُواْ إلَى صَلاَةِ الظُّهْرِ وَهُوَ يَؤُمُّهُمْ ؛ نَدِمُواْ عَلَى تَرْكِهِمْ الإقْدَامَ عَلَى قِتَالِهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : دَعُوهُمْ ؛ فإنَّ بَعْدَهَا صَلاَةٌ هِيَ أحَبُّ إلَيْهِمْ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَوْلاَدِهِمْ - يُرِيْدُونَ الْعَصْرَ - فَإذا رَأَيْتُمُوهُمْ قَامُواْ إلَيْهَا فَشُدُّوا عَلَيْهِمْ، فَنَزَلَ جِبْرِيْلُ عليه السلام بهَذِهِ الآيَةِ وَأطْلَعَ اللهُ النَّبيَّ ﷺ عَلَى قَصْدِهِمْ وَمَكْرِهِمْ، وَعَنْ هَذا كَانَ إسْلاَمُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيْدِ حِيْنَ عَرَفَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اطَّلَعَ عَلَى مَا كَانَ مِنْ قَصْدِ الْمُشْرِكِيْنَ فِي السِّرِّ فِيْمَا بَيْنَهُمْ).
ومعنى الآيةِ : وإذا كُنْتَ يَا مُحَمَّدُ معَ المؤمنينَ في الغَزْو فابتدأتَ في صلاةِ الخوفِ ؛ فَلْيَقُمْ جَمَاعَةٌ منهُم معكَ في الصلاةِ ؛ وَلْتَكُنْ أسلحتُهم معَهم في صلاتِهم ؛ لأنَّ ذلك أهْيَبُ للعدوِّ، فإذا سَجَدَتِ الطائفةُ التي معكَ وصَلَّتْ ركعةً، فلينصرِفُوا إلى المصاف وليقفُوا بإزَاءِ العَدُوِّ ؛ ﴿ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ﴾ ؛ وهمُ الذينَ كانوا بإزاءِ العدوِّ، ولم يصلُّوا معكَ في الركعةِ الأُولى ؛ فليصلُّوا معكَ الركعةَ الأُخرى، ولْتَكُنْ أسلحتُهم معَهم في الصَّلاةِ، ولم يذكرْ في الآية لكلِّ طائفةٍ إلاّ ركعةً واحدةً.
وفي صلاةِ الخوفِ خلافٌ بين العلماء ؛ قال بعضُهم : إنَّها غير مشروعةٍ بعدَ رَسولِ الله ﷺ ؛ وهو روايةٌ عن أبي يوسف وهو قولُ الحسنِ بن زياد ؛ لأنَّ في هذه الآيةِ ما يدلُّ على كون النبيِّ ﷺ شَرَطٌ في إقامةِ صلاة الخوف ؛ ولأنَّها إنَّما جازَتْ للنبيِّ ﷺ لِيَسْتَدْركَ الناسُ فضيلةَ الصلاةِ خَلْفَهُ ؛ لأنَّ إمامةَ غيرهِ لَمْ تكن لتقومَ مقامَ إمامتهِ.
وذهبَ أكثرُ العلماء إلى أنَّ صلاةَ الخوف مشروعةٌ بعد النبيِّ ﷺ، وأنَّ الخطابَ في هذه الآيةِ وإنْ كان للنبيِّ ﷺ فالأئمَّةُ بعدَه يقومون مقامَه كما في قولهِ تعالى :﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً ﴾[التوبة : ١٠٣] ونحوِ ذلك من الآياتِ.
واختلفوا في كيفيَّة صلاةِ الخوف، فقال أبُو حَنِيْفَةَ ومحمدٌ :(يَجْعَلُ الإمَامُ النَّاسَ طَائِفَتَيْنِ ؛ طَائِفَةٌ بإزَاءِ الْعَدُوِّ، وَطَائِفَةٌ مَعَهُ ؛ فَيُصَلِّي بهِمَا رَكْعَةً رَكْعَةً، ثُمَّ تَنْصَرِفُ هَذِهِ الطَّائِفَةُ إلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ ؛ وَتَجِيْءُ الأُخْرَى فَيُصَلِّي بهِمْ رَكْعَةً، وَيَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ. ثُمَّ تَرْجِعُ هَذِهِ الطَّائِفَةُ إلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ بغَيْرِ سِلاَمٍ، وَتَأْتِي الأُوْلَى فَتَقْضِي الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ وحْدَاناً بغَيْرِ قِرَاءَةٍ، فَإذا سَلَّمَتْ وَقَفَتْ بإزَاءِ الْعَدُوِّ، وَجَاءَتْ تِلْكَ الطَّائِفَةُ فَتَقْضِي الرَّكْعَةَ الأُوْلَى وحْدَاناً بقِرَاءَةٍ.
وعن أبي يوسُف :(إذا كَانَ الْعَدُوُّ فِي وَجْهِ الْقِبْلَةِ ؛ وَقَفَ الإمَامُ وَجَعَلَ النَّاسَ خَلْفَهُ صَفَّيْنِ ؛ فَافْتَتَحَ بهِمُ الصَّلاَةَ مَعاً، فَصَلَّى بهِمْ رَكْعَةً ؛ فإذا سَجَدَ الإمَامُ سَجَدَ مَعَهُ الصَّفُّ الأَوَّلُ، وَوَقَفَ الثَّانِي يَحْرِسُونَهُمْ، فَإذا رَفَعُوا رُؤُوسَهُمْ مِنَ السُّجُودِ سَجَدَ الصَّفُّ الثَّانِي ؛ وَتَأَخَّرَ الأَوَّلُ، وَيَقُومُ الصَّفُّ الثَّانِي فَيَرْكَعُ بهِمْ جَمِيْعاً، ثُمَّ يَرْفَعُونَ رُؤُوسَهُمْ وَيَسْجُدُ الصَّفُّ الْمُتَقَدِّمُ سَجْدَتَيْنِ، وَالصَّفُّ الآخَرُ يَحْرِسُونَهُمْ، ثُمَّ يَسْجُدُ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ سَجْدَتَيْنِ لأنْفُسِهِمْ ؛ ثُمَّ يَتَشَهَّدُ الإمَامُ وَيُسَلِّمُ بهِمْ جَمِيْعاً).