قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿ فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ﴾ ؛ أي فَبكُفْرِ اليهودِ وجُرمِهم حرَّمنا عليهم أشياءَ كانت طَيِّبَةً لَهم في التوراةِ ؛ منها : لُحُومُ الإبلِ وألبانُها والشُّحومُ، وكانوا إذا أصابُوا ذنباً عظيماً حَرَّمَ اللهُ عليهم طعاماً طَيِّباً، ﴿ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً ﴾ ؛ معناهُ : بسبب مَنْعِهِمُ الناسَ عن دينِ الله وهو الإسلامُ، وَ ؛ بسَبَب ؛ ﴿ وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ ﴾ ؛ وقد نُهوا عن ذلك في التَّوراة، وَ ؛ بسبب ؛ ﴿ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ ﴾ ؛ أكلِ أموال الناس بالظُّلمِ، وأخذِ الرِّشَا في الحكمِ.
وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾ ؛ أي خَلَقْنَا وهيَّأْنا للكافرينَ منهم عذاباً وَجِيْعاً يَخْلُصُ وجعهُ إلى قلوبهم، وإنَّما خصَّ الكافرينَ لبيانِ أن مَن يؤمنُ منهم غيرُ داخلٍ في هذا الوعيدِ.
ثُمَّ استثنىَ اللهُ تعالى منهم مَن آمَنَ، فقال تعالى :﴿ لَّـاكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ ﴾ ؛ أي لكن التائبون مِن أهلِ الكتاب وهم عبدُالله بنُ سلامٍ وأصحابُه، وسَمَّاهم ﴿ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ﴾ لثباتِهم في العِلْمِ وتَبَحُّرِهِمْ فيه ؛ لا يضطربون ولا تَميلُ بهم الشُّبَهُ، بمنْزِلة الشجرةِ الرَّاسخةِ بعروقِها في الأرض.
وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ ﴾ أي والمؤمنونَ مِن غير أهل الكتاب من أصحاب رسول الله ﷺ يصدِّقون بما نزل إليكَ من الفُرْقًانِ، وما فيه من تَحريم هذهِ الأشياء عليهم، ويصدِّقون بما أُنْزِلَ من قبلِكَ على الأنبياءِ من الكُتُب، ﴿ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ ﴾ ؛ يجوزُ أن يكونَ معناهُ : يؤمنونَ بالنبيِّين المقيمينَ الصلاةَ، فيكون قولهُ ﴿ وَالْمُقِيمِينَ ﴾ نَسَقاً على قولهِ﴿ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ ﴾[النساء : ٦٠].
ويجوزُ أن يكون نَصْباً على المدحِ على معنى : أعْنِي الْمُقِيْمِيْنَ الصَّلاَة ؛ وَهُمْ :﴿ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ﴾ ؛ كما يقال : جاءنِي قومُكَ الْمُطْعِمُونَ فِي الْمَحَلِّ ؛ وَالْمُعِيْنُونَ فِي الشَّدَائِدِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً ﴾ ؛ أي الْمُصَدِّقُونَ باللهِ وبالبعثِ بعدَ الموتِ أولئكَ سنعطيهم ثَواباً وافِراً في الجنَّة.