قَوْلُهُ جَلَّ وَعَزّ :﴿ إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ ﴾ ؛ أي أنْزِلْنَا جبريلَ عليكَ بهذا القُرْآنِ كما أوحينَا إلى نوحٍ ؛ فأمرَ بالاستقامةِ على التَّوحيدِ ودعوةِ الخلقِ إليه، وكما أوحيْنَا إلى النبيِّين مِن بعدِ نوحٍ أوحينَا إليكَ. قِيْلَ : إنَّ نوحاً عليه السلام عَمَّرَ ألفَ سنةٍ لم تَنْقُصْ لهُ سِنٌّ ولا قوَّة، ولم يَشِبْ له شعرٌ، ولم يبلُغْ أحدٌ من الأنبياءِ في الدذَعوةِ ما بَلَغَ، ولم يَصْبرْ على أذى قومهِ ما صَبَرَ، وكان يدعُو قومَهُ لَيلاً ونَهاراً، وسِرّاً وإعْلاناً، وكان الرجلُ من قومهِ يضربهُ فيُغْمَى عليه، فإذا أفَاقَ دَعَا وَبَلَّغْ، وَقِيْلَ : هو أوَّلُ مَن تَنْشَقُّ عنهُ الأرضُ يومَ القيامةِ بعد مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَأَوْحَيْنَآ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ ﴾ ؛ وهم بنو يعقوبٍ عليه السلام وهم اثْنَا عشرَ رَجُلاً، وَ ؛ إلَى ؛ ﴿ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا ﴾ ؛ أي أعْطَيْنَا ؛ ﴿ دَاوُودَ زَبُوراً ﴾ ؛ والزَّبُورُ : هو الكتابُ، مأخوذٌ من الزُّبْرِ ؛ وهو الكتابةُ، ومن قرأ زُبُوراً بضَمِّ الزَّاي وهو الأعمشُ وحمزةُ وابن وثَّاب ؛ فمعناهُ : الكتُبُ على الْجَمْعِ.
فإن قيلَ : كيفَ قدَّمَ اللهُ ذكر عِيْسَى على ذِكْرِ أيُّوبَ ويونُسَ وهارونَ وسليمان وداوُدَ، وهو مِنْ بعدِهم ؟ قِيْلَ : لأنَّ الواوَ للجمعِ دون الترتيب، فتقديمُ ذِكْرِهِ في الآيةِ لا يوجبُ تقديْمَهُ في الْخَلْقِ والإرسال، والفائدةُُ في تقديْمهِ في الذكرِ : الردُّ على اليهودِ، وَلِغُلُوِّهِمْ في الطَّعْنِ وفي نَسَبهِ، فقدَّمهُ اللهُ في الذكرِ ؛ لأن ذلك أبلغَ في كُتُب اليهودِ وفي تَنْزِيْهِهِ مِمَّا رُمِيَّ به ونُسِبَ إليهِ.


الصفحة التالية
Icon