قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا :(لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ﴾[آل عمران : ٩٧] قَامَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي أسَيْدٍ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ أفِي كُلِّ عَامٍ؟
فَوَجَدَ مِنْ قَوْلِ ذلِكَ الرَّجُلِ وَجْداً شَدِيداً، ثُمَّ قَالَ لَهُ :[مَا كَانَ يُؤْمِنُكَ أنْ أقُولَ : نَعَمْ، فَيَجِبُ عَلَيْكُمْ فِي كُلِّ عَامٍ فَلاَ تُطِيقُوهُ، فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوهُ كَفَرْتُمْ، ذرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ]).
وفي بعضِ الروايات :" أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَامَ خَطِيباً، فَسَأَلَهُ النَّاسُ عَنْ أشْيَاء، فَقَالَ :" لاَ تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إلاَّ حَدَّثْتُكُمْ بهِ "، فَأَكْثَرُوا عَلَيْهِ السُّؤَالَ حَتَّى سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنِ الْحَجِّ : أفِي كُلِّ عَامٍ ؟ فَسَكَتَ النَّبيُّ ﷺ فَأَعَادَ الرَّجُلُ عَلَيْهِ ثَالِثاً، فقال ﷺ :" لَوْ قُلْتُ لَكُمْ : نَعَمْ، لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ " فَقَامَ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ : أفِي الْجَنَّةِ أنَا أمْ فِي النَّار؟! فَاشْتَدَّ ذلِكَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، فَقَالَ عُمَرُ : رَضِينَا باللهِ رَبّاً وَبالإسْلاَمِ دِيناً وَبكَ نَبيّاً، نَعُوذُ باللهِ مِنْ غَضَب اللهِ وَغَضَب رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَسَرَى عَنِ النَّبيِّ ﷺ الْغَضَبُ ".
وروي :" أن رجلاً قال يا رسولَ اللهِ أين أبي ؟ فقال :" فِي النَّار "، فَقَامَ عُمَرُ رضي الله عنه وَقَالَ : رَضِينَا باللهِ رَبّاً وَبالإسْلاَمِ دِيناً وَبمُحَمَّدٍ نَبيّاً وَبالْقُرْآنِ إمَاماً، إنَّا يَا رَسُولَ اللهِ حَدِيثُو عَهْدٍ بالْجَاهِلِيَّةِ فَاعْفُ عَنَّا عَفَا اللهُ عَنْكَ، فَسَكَنَ غَضَبُهُ ".
ورويَ :" أنَّ رَجُلاً مِنْ قُرَيْشٍ يُقَالُ لَهُ عَبْدُاللهِ بْنُ حُذافَةَ، وَكَانَ يُطْعَنُ فِي نَسَبهِ إذا لاَحَى ؛ أيْ يُدْعَى لِغَيْرِ أبيهِ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ أبي ؟ قَالَ :" أبُوكَ حُذافَةُ ". قَالَ الزُّهْرِيُّ : فَقَالَتْ أمُّهُ : مَا رَأَيْتُ وَلَداً أعَقَّ مِنْكَ قَطْ! أكُنْتَ تَأْمَنُ أنْ تَكُونَ أمُّكَ قَارَفَتْ مَا قَارَفَ " نِسَاءُ " أهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَيَفْضَحَهَا عَلَى رُؤُوسِ النَّاسِ ".
وفي رواية أخرى :" أنَّهُ لَمَّا قَالَ لَهُ :" أبُوكَ حُذافَةُ "، قَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ أبي فُلاَنٌ، قَالَ :" إنَّكَ وَلَدُ الزَّانِيَةِ، وَإنَّ الَّذِي وُلِدْتَ عَلَى فِرَاشِهِ كَانَ كَثِيرَ الْمَالِ، فَتَعَرَّضَتْ أُمُّكَ لِحُذَافَةَ فَجَامَعَهَا فَاشْتَمَلَتْ بكَ " فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ. ومعناها : يا أيُّها الذين آمَنوا بالله ورسولهِ لا تسأَلُوا النبيَّ ﷺ عن أشياء إنْ أظهرَ لكم جوابَها ساءَكم، ذلك ﴿ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ ﴾ ؛ وإنْ تسألوا عنها عندَ نُزول القرآنِ أظهرَ لكم جواباً، ﴿ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا ﴾ ؛ أي عن مسأَلتِكم لم يؤاخذكم بالبحثِ عنها. ويقال : أراد بالعفوِ السترَ عليهم، ﴿ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ ؛ أي متجاوزٌ عن العباد، حليمٌ عن الجهَّال لا يعجِّلُ عليهم بالعقوبةِ.