قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿ يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي ثَلاثَةِ نَفَرٍ، خَرَجُوا مِنَ الْمَدِينَةِ إلَى الشَّامِ لِتِجَارَةٍ، أحَدُهُمْ : عَدِيُّ بْنُ بَدَّاءِ، وَالآخَرُ عَامِرُ بْنُ أوْسٍ الدَّاريُّ، وَهُمَا نَصْرَانِيَّانِ، وَالثَّالِثُ بَدِيلُ بْنُ وَرْقَاءَ مَوْلَى عَمْرٍو بْنِ الْعَاصِ، وَكَانَ مُسْلِماً مُهَاجِراً، فَحَضَرَ بَدِيلَ بْنُ وَرْقَاءَ الْوَفَاةُ وَكَانَ مُسْلِماً، فَأَوْصَى إلَى صَاحِبَيْهِ، وَأمَرَهُمَا أنْ يَدْفَعَا مَتَاعَهُ إلَى أهْلِهِ إذا رَجَعَا، فَمَاتَ بَدِيلُ فَفَتَّشَا مَتَاعَهُ، وَأخَذا مِنْهُ إنَاءً مِنْ فِضَّةٍ مَنْقُوشاً بالذهَب كَانَ فِيهِ ثَلاَثُُمِائَةِ مِثْقَالٍ.
فَلَمَّا قَدِمَا الْمَدِيْنَةَ وَسَلَّمَا الْمَتَاعَ إلَى أهْلِهِ، وَجَدَ أهْلُهُ كِتَاباً فِي دُرْجِ الْثِّيَاب فِيْهِ أسْمَاءُ الأمْتِعَةِ، قَالُوا لَهُمَا : هَلْ بَاعَ صَاحِبُكُمَا شَيئاً مِنْ مَتَاعِهِ ؟ قَالاَ : لاَ، فَهَلْ طَالَ مَرَضُهُ فَأَنْفَقَ شَيْئاً ؟ قَالاَ : لاَ، إنَّمَا مَرِضَ حِينَ قَدِمَ الْبَلََدَ، فَلَمْ يَلْبَثْ أنْ مَاتَ. فَقَالَ لَهُمَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَالْمُطَّلِبُ ابْنُ أبي وَدَاعَةَ : فإنَّا وَجَدْنَا فِي مَتَاعِهِ صَحِيفَةً فِيهَا تَسْمِيَةً مَتَاعِهِ، وَفِيْهَا إنَاءٌ مَنْقُوشٌ مُمَوَّهٌ بالذهَب فِيْهِ ثَلاَثُمِائَةِ مِثْقَالٍ. قَالاَ : مَا نَدْري، إنَّمَا أوْصَى إلَيْنَا بشَيْءٍ وَأَمَرَنَا أنْ نَدْفَعَهُ إلَيْكُمْ فَدَفَعْنَاهُ. فَرَفَعُوهُمَا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَذكَرُوا ذلِكَ لَهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ.
ومعناها : يا أيُّها الذين آمَنوا شهادةُ الحالِ الذي بينكم إذا حضرَ أحدَكم الموتُ فأراد الوصيَّةَ شهادةُ اثنين ذوي عدلٍ منكم ؛ أي من أهل دينِكم. وهذه جملةٌ تامَّة تتناولُ حكمَ الشَّهادة على الوصيَّة في الحضر والسفرِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ﴾ ؛ مقيَّدٌ بالسَّفرِ خاصَّة، معناهُ : أو آخَران من غير أهل دينكم، ﴿ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ ﴾ ؛ إن أنتم سافَرتُم في الأرضِ، ﴿ فَأَصَابَتْكُم ﴾ ؛ في السَّفرِ، ﴿ مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ ﴾ ؛ ولم يكن يحضرُكم مسلمون.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلاَةِ ﴾ ؛ أي تَقِفونَهما وهما النصرانيَّان، والمرادُ بقوله :﴿ بَعْدِ الصَّلاَةِ ﴾ بعد صلاةِ العصر كان النبيُّ ﷺ يقضي بعدَ صلاة العصرِ وهو وقتُ اجتماعِ الناس، وأهلُ الكتاب يعظِّمونَهُ، ﴿ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً ﴾ ؛ أي الشَّاهدان النصرانيان يَحلفان باللهِ إذا ادَّعى عليهما ورثةُ الميِّت بسبب شأنِهم في جِنايتهما، ويقولان في اليمينِ : لاَ نشتري بهذا القول الذي نقولهُ بأنا دفَعنا المالَ جميعه إليكم عَرَضاً يَسِيراً من الدُّنيا، ﴿ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى ﴾ ؛ أي وإن كان الميْتُ ذا قرابةٍ منَّا في الرَّحِمِ ؛ أي لم نَخُنْ في التِّركة لقرابته منَّا. رُوي أنه كان بين الميْتِ المسلمِ وبين هذين النصرانيين قرابةٌ في الرَّحِم، ومعنى قوله :﴿ إِنِ ارْتَبْتُمْ ﴾ أي شَكَكْتُمْ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ ﴾ ؛ أي ويقولون في اليمينِ : ولا نكتمُ شهادةَ اللهِ، ﴿ إِنَّآ إِذَاً لَّمِنَ الآَثِمِينَ ﴾ ؛ أي العاصِين إنْ كتَمنَاهما كما قالَ تعالى في آيةٍ أخرى