قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً ﴾ ؛ معناه : إنَّ الذين يَموتون منكم ويتركونَ نساءَهم من بعدهم ؛ ينتظرونَ في عدتِهن ؛ معنى ﴿ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً ﴾ لا يتزوجنَ ولا يتزيَّنَّ في هذه المدةِ.
وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ﴾ ؛ أي إذا انقضت عِدتُهن ؛ ﴿ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ ؛ أي لا حرجَ عليكم في تركهنَّ بعد انقضاء المدة ليتزيَّن زينةً لا يُنكر مثلها، ويتزوجنَ من الأكْفَاءِ ويفعلنَ كُلَّ معروفٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ ؛ أي بما تعملون من الخيرِ والشر عالِمٌ يجزيكم به.
فإن قيل :(الَّذِيْنَ) اسمٌ موصول و ﴿ يُتَوَفَّوْنَ ﴾ ﴿ وَيَذَرُونَ ﴾ من صلته، وجملته مبتدأ ؛ و ﴿ يَتَرَبَّصْنَ ﴾ فعلُ الأزواجِ لا فعلُ ﴿ الَّذِينَ ﴾ ولا فيه ضميرٌ عائد إلى ﴿ الَّذِينَ ﴾ ؛ فيبقى المبتدأُ بلا خبرٍ، والمبتدأُ لا يخلو من خبر اسماً كان أو فعلاً ؛ وليس من ذلك ها هُنا شيءٌ ؟ قيل : قال أبو العباسِ السرَّاج :(فِي الآيَةِ ضَمِيْرٌ تَقْدِيْرُهُ : أزْوَاجُهُمْ يَتَرَّبَصْنَ) لأن الفعلَ يدلُّ على الفاعل. وقال الأخفشُ :(تَقْدِيْرُهُ : يَتَرَبَّصْنَ مِنْ بَعْدِهِمْ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ) حتى يكون الضميرُ عائداً إلى ﴿ الَّذِينَ ﴾. وذكرَ الزجَّاج : أنَّ النُّونَ فِي قَوْلِهِ ﴿ يَتَرَبَّصْنَ ﴾ قَائِمٌ مَقَامَ الأَزْوَاجِ كِنَايَةٌ عَنْهَا لاَ مَحَالَةَ فَصَارَ كَالتَّصْرِيْحِ، وهذا كما يُقال : الذي يَموت ويخلف ابنتين ترثانِ الثلثين ؛ معناه يرثُ ابنتاهُ الثلثين.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَعَشْراً ﴾ ظاهرُ لفظِ العشر يتناول الليالي ؛ ألا تَرى أنه يقالُ للأيام : عشرةُ أيامٍ ؛ وإنَّما غلبَ لفظ التأنيث في الآية فقيل :(عَشْرًا) ؛ لأنَّ العرب تُقَدِّمُ الليلَ على النهار ويعدُّون أولَ كلِّ شهر من الليلة ؛ ألا تراهم يُصَلُّونَ التراويحَ إذا رأوا الهلالَ ويَدَعُونَها إذا رأوا هلال شوَّال. ومن عادتِهم أنَّهم إذا ذكروا أحدَ العددَين على سبيل الجمعِ أرادوا مثلهُ العدد الآخر ؛ كما قال تعالى في قصَّة زكريَّا عليه السلام :﴿ قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً ﴾[آل عمران : ٤١] وقالَ في موضعٍ آخر :﴿ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيّاً ﴾[مريم : ١٠] والقصةُ واحدة، فعبَّر تارةً بالأيام عن الليالي، وتارةً بالليالي عن الأيام.
ويقال : الحكمةٌُ في تقديرِ عدَّة الوفاة بأربعةِ أشهر وعشرٍ ما روي عن عبدِالله بن مسعودٍ أنه قالَ :[يُجْمَعُ خَلْقُ أحَدِكُمْ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أرْبَعِيْنَ يَوْماً نُطْفَةً، وَأرْبَعِيْنَ يَوْماً عَلَقَةً، ثُمَّ أرْبَعِيْنَ يَوْماً مُضْغَةً، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيْهِ الرُّوحُ فِي عَشْرَةِ أيَّامٍ، فَيُكْتَبُ أجَلُهُ وَرزْقُهُ وَأنَّهُ شَقِيٌّ أوْ سَعِيْدٌ]. فيجوزُ أنَّ الله قدَّر هذه في عدَّة الوفاة ؛ ليظهر أنَّها حاملٌ أو حائل.
واختلفوا في عدَّة الحاملِ ؛ فقال عمرُ وابن مسعودٍ وعبدالله بن عمرَ وأبو هريرةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ :(أنَّ الْحَامِلَ تَخْرُجُ مِنْ هَذِهِ الْعِدَّةِ إذَا وَضَعَتْ. وإنْ كَانَ زَوْجُهَا عَلَى السَّرِيْرِ) حتى قال ابنُ مسُعود :(مَنْ شَاءَ بَاهَلْتُهُ، إنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى :