قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِّنَ الإِنْسِ ﴾ معناه : يَوْمَ نَحْشُرُ الخلائقَ كلَّهم إلى الجزاءِ، يقول : يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قََدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإِنسِ مِمَّنْ أضْلَلْتُمُوهُمْ ؛ أي أضلَلْتم كثيراً من الإنسِ وكثيرٌ مُتَّبعُوكُمْ منهُم ؛ ﴿ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم ﴾ ؛ أي قُرَنَاءُ الجنِّ ؛ ﴿ مِّنَ الإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ ﴾.
أما اسْتِمْتَاعُ الإنسِ بالجن فما روى الحسنُ :(أنَّ الْعَرَبَ كَانُواْ إذا سَافَرُواْ فَنَزَلُواْ وَادِياً ؛ خَافُوا عَلَى أنْفُسِهِمْ فَقَالُواْ : نَعُوذُ بسَيِّدِ هَذا الْوَادِي مِنْ سُفَهَاءِ قَوْمِهِ ؛ فَيَبيْتُونَ فِي جِوارٍ مِنْهُمْ، وَكَانُوا يَرَوْنَ ذلِكَ اسْتَجَارَةً بالْجِنِّ).
وأما استمتاعُ الجنِّ بالإِنسِ ؛ فكان عُظَمَاءُ الجنِّ يقولون : قد سُدْنَا الإنسَ مع الجنِّ ؛ حتى أن الإنسَ يعودُون بنَا، فيزدادون بنَا، فيزدادون بذلك شَرَفاً في قومِهم وَعَظَماً في أنفسهم. وذلك قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً ﴾[الجن : ٦].
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَبَلَغْنَآ أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا ﴾ ؛ أي أدْرَكْنَا وَقْتَنَا الذي وُقَّتَ لنا. قِيْلَ : إنَّ المرادُ به وقتُ البعثِ، وَقِيْلَ : إن المراد وقتُ الموتِ. وفي هذا دليلٌ على أنه لا يكون للمقتول أجَلاَنِ بخلافِ ما يقولُ بعض القومِ : إنَّ المقتولَ لو لم يُقتل لكان يبقى حَيّاً لا محالةَ. لأنه قد كان في هؤلاءِ مقتولون وقد أُخْبرُوا كلُّهم أنَّهم قد بلغُوا أجلهم الذي أجَّلَهُ الله لَهم.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ ﴾ ؛ أي قالَ اللهُ تَعَالَى : النَّارُ مقرُّكم ومَنْزِلُكمْ ؛ فإنكم قد أقْرَرْتُمْ على أنفسكم باستحقاقِ العذاب ولزُومِ الحقِّ عليكم، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ خَالِدِينَ فِيهَآ إِلاَّ مَا شَآءَ اللَّهُ ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(وَكَانَ مَا شَاءَ اللهُ بقَوْلِهِ :﴿ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾[النساء : ٤٨]).
وَقِيْلَ : معناه :﴿ إِلاَّ مَا شَآءَ اللَّهُ ﴾ ما بَيْنَ البعثِ من القبرِ إلى وقت الفَرَاغ من الحساب ؛ فإنه لا يكون لَهم عذابٌ في ذلك الوقت. وَقِيْلَ : معناه :﴿ إِلاَّ مَا شَآءَ اللَّهُ ﴾ أن يعذِّبَهم من صُنُوفِ العذاب. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ ﴾ ؛ في عِقَابهِ ؛ ﴿ عَليمٌ ﴾ ؛ بقَدْر ما يستحقُّونَ من العذاب.