قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْاْ ﴾ ؛ أي ثم حَوَّلْنَا مكانَ الشِّدَّةِ والكَرْب العاقبةَ والخِصْبَ والسَّعَةَ حتى كَثُرُوا وكثُرت أموالُهم ومعاشُهم. وإنَّما سُمِّيت الشَّدَّةُ سيئةً ؛ لأنَّها تسوءُ الإنسانَ ؛ كما الإحسانُ حسنةً ؛ لأنه يحسنُ أثَرُهُ على الإنسانِ، وإلاَّ فالسيِّئَةُ هي الفِعْلَةُ القبيحةُ، واللهُ تعالى لا يفعلُ القبيحَ.
وقال الحسنُ :(عَفَوا) أي سَمِنُوا ؛ وَأرَادَ بهِ السِّمَنَ فِي الْمَالِ لاَ فِي تَعْظِيْمِ الْجِسْمِ). وقال قتادةُ :(حَتَّى عَفَوا) حَتَّى أشِرُواْ وَبَطِرُوا وَلَمْ يَشْكُرُوا رَبَّهُمْ). وأصلهُ من الكَثْرَةِ ؛ قال ﷺ :" احْفُوا الشَّوَاربَ وأَعْفُوا اللِّحْيَةَ " قال الشاعرُ : عَفَوا مِنْ بَعْدِ إْقلاَلٍ وَكَانُوا زَمَاناً لَيْسَ عِنْدَهُمْ بَعِيْرٌوقال ابنُ عبَّاس :(حَـتَّى عَفَوا) أي جَمُواْ. وقال ابنُ زيدٍ :(حَتَّى كَبرُوا كَمَا يَكْبُرُ النَّبَاتُ وَالرِّيْشُ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّآءُ وَالسَّرَّآءُ ﴾ ؛ أي قالوا : هكذا عادةُ الزَّمانِ ؛ أي يسِيءُ تارةً ويحسنُ أخرى، وهكذا كانت عادتهُ مع آبائِنا. فَثَبَتُوا على دينِهم ولم يقيلوا عنهُ، فاثبتوا أنتم على دِينكم ولا تُقِيْلُوا عنهُ يقولُ الله تعالى :﴿ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً ﴾ ؛ أي أخذْنَاهم بالعذاب فَجَأَةً، ﴿ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ أي من حيثُ لا يشعرون بالعذاب. والمعنَى : أخذناهُم بالعذاب وهم في أمْنٍ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ بنُزولهِ.