قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ قَالُواْ يامُوسَى إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ ﴾ أي قالَتِ السَّحَرَةِ : يَا مُوسَى! إمَّا أنْ تُلْقِيَ ما معكَ من العصَا، وَإمَّا أنْ نلقيَ نحنُ ما مَعَنَا من العِصِيِّ والحبالِ قبلَكَ. ﴿ قَالَ أَلْقَوْاْ ﴾ ؛ ما معكم من الحبال والعصِيِّ، ﴿ فَلَمَّآ أَلْقُوْاْ ﴾ ؛ ذلكَ ؛ ﴿ سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ ﴾ ؛ أي أخذُوا بها أعْيُنُ النَّاسِ، واسْتَدْعَوا رَهْبَتَهُمْ حتى رَهِبَهُمُ الناسُ، ﴿ وَجَآءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ﴾ ؛ في أعْيُنِ النَّاسِ.
وكانوا قد جعلوا فيها الزِّئْبَقَ بعدَ أن صوَّرُوها بصورةِ الْحَيَّاتِ، فَلَمَّا أوقَفُوها في الشَّمْسِ اضطربت باضطراب ما فيه من الزِّئْبَقِ ؛ لأنه لا يَسْتَقِرُّ ؛ ومتَى يزدادُ مُكْثُهُ في الشمسٍ زادَتْ حركتهُ، وخُيِّلَ إلى موسَى أنَّ حبالَهم وعصيِّهُم حَيَّاتٌ كما كانت عصَا مُوسى عليه السلام.
فإن قِيْلَ : كيف يجوزُ مِن موسَى عليه السلام أن يأمرَهم بالإلْقَاءِ ؛ وكان إلقاؤُهم إرادةً منهم مُغَالَبَةَ موسى ؛ وذلك كُفْرٌ ؛ ولا يجوزُ على الأنبياءِ أن يأمرُوا بالكفرِ ؟ قِيْلَ : معناهُ : ألقُوا إنْ كنتم مُحِقِّيْنَ على زعمِكم. ويجوزُ أن يكون أمَرَهُم بالإلقاءِ لتأكيدِ مُعْجِزَتِهِ.


الصفحة التالية
Icon