َقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ فَإِذَا جَآءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَـاذِهِ ﴾ ؛ أي إذا جاءَهم الْخَصْبُ والخيرُ قالوا : نحنُ أهلٌ لِهذه الحسنةِ وأحقُّ بها، فمِنْ عادةِ بلادِنا أنَّها تأتِي بالسَّعة والْخَصْب. ولَم يَرَوا لك مَنّاً وتفضُّلا ًمن اللهِ ؛ ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ ﴾ ؛ جُدُوبَةٌ وقحطٌ وبلاء وشدَّةٌ ؛ ﴿ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ ﴾ ؛ أي يَتَشَاءَمُوا بموسى وأصحابهِ ؛ فقالوا : أصابنا هذا البلاءُ من شُؤْمِ هؤلاء. والطَّيْرَةُ في اللغة : الشَّأمَةُ كما روي " أنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ يُحِبُّ الْفَأْلَ وَيَكْرَهُ الطَّيْرَةَ "
والأصلُ في هذا : أن العربَ كانوا يتفاءلون با لطَّير ؛ فإن جاءَهم طائرٌ من جهة اليمينِ وهو السَّانحُ ؛ تَبَرَّكُوا به، وإن جاءهم من جهة الشَّمال وهو البَارحُ يتشاءَموا به، ثُم كَثُرَ قولُهم في الطيرِ حتى استعلموهُ في كلِّ ما تشاءموا به. ومعنى الآيةِ :﴿ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ ﴾ أي تشَاءَمُوا بهم وقالوا : ما أصابنا بلاءٌ حتى رأينَاكُم.
وقرأ طلحة (تطَيَّرُوا) بالتاءِ وتخفيف الطَّاء على الفعل الماضي، قال سعيدُ بن جبير :(كَانَ مُلْكُ فِرْعَوْنَ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ، فَعَاشَ ثَلاَثَمِائَةَ سَنَةٍ لاَ يَرَى مَكْرُوهاً، وَلَوْ رَأى فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ جُوعَ يَوْمٍ، أوْ حُمَّى يَوْمٍ، أوْ وَجَعَ سَاعَةٍ لَمَا ادَّعَى الرُّبُوبيَّةَ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ ﴾ ؛ معناه : الذي أصابَهم من الخصب والجدب والخير والشرِّ كلُّ ذلك من عند اللهِ، ﴿ وَلَـاكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ ؛ أنهُ أصابَهم من عند الله. وقال ابنُ عبَّاس :(مَعْنَاهُ : ألاَ إنَّمَا مُصَابُهُمْ عِنْدَ اللهِ). وقال ابنُ جُريجٍ :(الأَمْرُ كُلُّهُ مِنْ قِبَلِ اللهِ).
وَقِيْلَ : معناهُ : ألاَ إنَّما الشؤمُ الذي يلحَقُكم هو الذي وُعدوا به في الآخرةِ لا ما نالَهم من الدُّنيا، فإن القحطَ الذي هم فيه قليلٌ في جنبِ عقوبةِ الآخرة. وقرأ الحسنُ :(ألاَ إنَّمَا طَيْرُهُمْ عِنْدَ اللهِ) بغيرِ الألف، والمعنى واحدٌ.