قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس والسديُّ :(مَعْنَاهُ : خُذِ الْفَضْلَ مِنْ أمْوَالِهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى :﴿ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ﴾[البقرة : ٢١٩] وَهَذا إنَّمَا قَبْلَ فَرْضِ الزَّكَاةِ، فَصَارَ مَنْسُوخاً بالزَّكَاةِ). وقال الحسنُ ومجاهد :(خُذِ الْعَفْوَ مِنْ أخْلاَقِ النَّاسِ فِي الْقَضَاءِ وَالاقْتِضَاءِ وَقَبُولِ عُذْرهِمْ وَحُسْنِ الْمُعَامَلَةِ مَعَهُمْ وَمَا يَسْهُلُ عَلَيْهِمْ).
وأصلُ العفوِ التركُ من قولهِ تعالى :﴿ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ ﴾[البقرة : ١٧٨] أي تَركَ، والعفوُ عن الذنب تركُ العقوبةِ. ويقالُ : معنى العفوِ الْمُسَاهَلَةُ في الأمور، يقالُ : خُذْ ما أتاكَ عَفْواً ؛ أي سَهْلاً. وعنِ النبيِّ ﷺ :" أنَّهُ سَأَلَ جِبْرِيلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقَالَ : حَتَّى أسْأَلَ، فَذهَبَ جِبْرِيْلُ فَقَالَ :" يَا مُحَمَّدُ ؛ إنَّ اللهَ يَأْمُرُكَ أنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ، وَتُعْطِي مَنْ حَرَمَكَ، وَتَعْفُوَ مَنْ ظَلَمَكَ ".
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ ﴾ أي بالمعروفِ الذي تعرفُ العقلاء صِحَّتَهُ، وقال عطاءُ :(يَعْنِي لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ). وقولهُ تعالى :﴿ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾ أي عن أبي جهلٍ وأصحابهِ، نَسَخَتْهَا آيةُ السَّيفِ. ومعنى الإعراضِ عنهم ؛ أي أعرِضْ عنهم بعدَ إقامة الحجَّة عليهم، ووقوعِ الإيَاسِ عن قَبولهم، ولا تُقَابلْهم بالسَّفَهِ ولا تُجَاوِبْهم استخفافاً بهم وصيانةً لقَدرِكَ، فإنَّ مجاوبةَ السَّفيهِ تضعُ القدرَ.