قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ ﴾ ؛ هذا خطابٌ لأهلِ مكَّة، والمعنى : لقد جاءَكم رسولٌ من أهلِ نَسَبكم ولسانكم، شريفُ النَّسَب تعرفونَهُ وتفهمون كلامَهُ. وإنما قالَ ذلك ؛ لأنه أقربُ إلى الأُلفَةِ. وَقِيْلَ : إن هذا خطابٌ لجميعِ الناس، معناه : جاءَكُم آدمِيٌّ مثلُكم، وهذا أوكدُ للحجَّة عليكم ؛ لأنَّكم تفهمون عن مَن هو من جنسِكم.
وقرأ ابنُ عبَّاس والزهري (مِنْ أنْفَسِكُمْ) بفتحِ الفاء ؛ أي من أشرَفِكم وأفضَلِكم، مِن قولِكَ : شيءٌ ذو نَفَسٍ، وقال : كان مِن أعلاكُم نسَباً، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ ﴾ أي شديدٌ عليه عَنْتُكُمْ وإثْمُكم، العَنَتُ : الضيِّقُ والمشقَّة.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ ﴾ ؛ أي حريصٌ على إيمانكِم وهُداكم أنْ تُؤمِنُوا فتَنجُوا من العذاب وتفوزُوا بالجنَّة والثواب، والحِرْصُ : شدَّةُ الطَّلَب للشيء مع الاجتهادِ فيه. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ ؛ كلامٌ مستأنفٌ : أي وهو شديدٌ الرحمةِ لجميع المؤمنين، رفيقٌ لِمَن اتَّبعَهُ على دينهِ.