قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ ﴾ ؛ يعني مُلْكَ مصرَ أربعين فرسخاً في أربعين فرسخاً، ﴿ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ ﴾ ؛ أي تعبيرِ الرُّؤيا وتأويل كُتب الدين.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾ ؛ نُصِبَ على النداءِ ؛ أي يا فاطرَ السماءِ والأرض مُنشِئُهما على غيرِ مثالٍ، ﴿ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ ﴾ ؛ أي تتَولَّى حِفظِي وصيانتي، ﴿ تَوَفَّنِى مُسْلِماً ﴾ ؛ أي ألطُفْ بي لُطفاً أثبتُ به على الإيمانِ إلى أن يلحَقُني الموت، ﴿ وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ﴾ ؛ يعني يلحقهُ بآبائه.
وأما ما كان من أخرِ زُليخا فإنه لما ماتَ العزيزُ وبَقِيت أرملةً، قالت : أنا مِن يوسف على رجاءٍ، وأمري كلَّ يوم إلى نقصٍ ؛ وذلك بمَعصِيَتي لآلهِ يوسف، فكيف لا أقومُ إلى هذا الصَّنم والمشؤومِ فأجعلهُ جُذاذاً، وألْحَقُ بيوسف وأُسلِمُ على يدهِ ؟ لعلَّ إلَهَهُ يرحَمُني ويقضي حاجَتي، فقامت وكسرت صنَمَها وجاءت إلى طريق يوسف، فوقفت له في يومِ ركوبهِ فأقبلَ مع الأعلامِ والرايات مكتوبات عليها :﴿ قُلْ هَـاذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾[يوسف : ١٠٨].
فلمَّا صارَ يوسف بحذاءِ زُليخا نادت : سُبحان من يعلي العبيد ويجعلَهم مُلوكاً بطاعتهِ، ويذِلُّ الموالِي ويجعلهم عبيداً بمعصيتهِ. فسَمِعَ ذلك يوسف فقال : علَيَّ بصاحبةِ هذا الكلامِ، فأُتِيَ بها إليه فقال : مَن أنتِ ؟ قالت : زُليخا أمَا تعرِفُنِي؟! قال : لا، قالت : قد أنكَرتَني ؟ قال : أشدَّ الإنكار، قالت : أنا الذي راودتُكَ عن نفسك فاستعصمتَ بإلهِ السَّماء، فرفعَكَ ووضعَنِي ؛ وأعزَّكَ وأذلَّني ؛ وأغناكَ وأفقرَنِي، فعلمتُ أني في باطلٍ وغُرورٍ، فكسرتُ صنَمِي وجئتُكَ طائعةً مؤمنةً أقولُ : لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ، لِيَرْحَمَنِي، فوقعت رحمتُها في قلبهِ، فقالَ : سَلِي حاجتَكِ، قالت : أتفعلُ ؟ قال : نعم، قالت : لي ثلاثُ حوائجَ يا يوسف قد ذهبَ بصَري فادعُ اللهَ أن يرُدَّ عليَّ لأنظُرَ إلى جمالِ وجهك، فدعا اللهَ فردَّ عليها بصرَها فأقبلت تنظرُ إلى يوسف، ثم قالت : وادعُ اللهَ أن يرُدَّ علي حُسني وجَمالي، فدعَا اللهَ فردَّه عليها ذلك.
فلما نظرَ يوسفُ إليها نكَّسَ رأسه وقال : أما تسأَلِي الثالثةَ يا رأسَ الفتنةِ ؟ قالت : تتزوَّجُ بي حلالاً ؟ قال لها : قُومِي يا رأسَ الفتنةِ هذه حاجةٌ ليس في نفسي قضاؤُها، قالت : أما أنا فلا أقنطُ من رحمةِ اللهِ، فنَزل جبريلُ على يوسف وقال : إن اللهَ يأمُركَ أن تتزوجَ بها، فجعلت تحمدُ اللهَ وتشكرهُ فتزوَّجَها، فلما دخلَ بها وجدَها عذراءَ، فولَدَت له وَلَدَين، وأقامَ يعقوبُ عند يوسف ثَماني عشرةَ سنةً، ومات قبل يوسف بسنتين.