قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿ لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾ ؛ الآية، اختلفَ المفسرون في هذه الآية على ثلاثةِ أقوالٍ ؛ قال السديُّ والضحَّاك :(إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ الأَمْرِ بقِتَالِ الْمُشْرِكِيْنَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى :﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾[فصلت : ٣٤]، وَكَانَ الْقِتَالُ غَيْرَ مُبَاحٍ فِي أوَّلِ الإسْلاَمِ إلَى أنْ قَامَتْ عَلَيْهِمْ الْحُجَّةُ الصَّحِيْحَةُ بصِحَّةِ نُبُوَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَلَمَّا عَانَدُواْ بَعْدَ الْبَيَانِ أمَرَ اللهُ الْمُسْلِمِيْنَ بقِتَالِهِمْ لِقَوْلِِهِ تَعَالَى :﴿ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ ﴾[التوبة : ٥] وَغَيْرِ ذلِكَ مِنْ مِنْ آيَاتِ الْقِتَالِ).
وقال الحسنُ وقتادةُ :(إنَّ هَذِهِ الآيَةَ خَاصَّةٌ فِي أهْلِ الْكِتَاب أنْ لاَ يُكْرَهُواْ عَلَى الإسْلاَمِ بَعْدَ أنْ يُؤَدُّواْ الْجِزْيَةَ، وَأمَّا مُشْرِكُو الْعَرَب فَلاَ يُقَرُّونَ بالْجِزْيَةِ وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهُمْ إلاَّ الإسْلاَمُ أو السَّيْفُ).
والقولُ الثالث : أن معناهُ : مَن دخلَ في الإسلام بمحاربةِ المسلمين ثم رضي بعد الحرب فليس بمُكْرَهٍ ؛ أي لا يقولوا لهم : إنَّما أسلمتم كَرْهاً ؛ فلا إسلامَ لكم.
ومعنى الآية :﴿ لاَ إِكْرَاهَ ﴾ في الإسلامِ ؛ أي لا تُكرهوا على الإسلامِ، ﴿ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِاللَّهِ ﴾ ؛ أي قد وَضَحَ الطريقُ المستقيم من الطريقِ الذي ليس بمستقيم بما أعطاهُ الله أنبيائَه من المعجزاتِ، فلا تكرِهوا على ﴿ الدِّينِ ﴾. ودخولُ الألف واللام فِي (الدِّينِ) لتعريفِ المعهود.
قَوْلُُهُ تَعَالَى :﴿ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انفِصَامَ لَهَا ﴾ ؛ أي فمن يكفرُ بما أمرَ الله أن يكفرَ بهِ، ويصدِّقُ بالله وبما أمرَ به، فقد عقدَ لنفسهِ من الدين عقداً وثيقاً لا تحلُّه حجةٌ من الحجَجِ لا انقطاعَ لها بالشبهةِ والشكوكِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ ؛ أي سميعٌ لِما يعقدهُ الإنسان في أمرِ الدين، عالِمٌ بنيَّته في ذلك.
والغَيُّ : نقيضُ الرُّشْدِ. والطاغوتُ : مأخوذ من الطُّغيان، والطاغوتُ اسمٌ للأصنامِ والشياطين وكلُّ ما يُعبد مِن دون اللهِ تعالى.


الصفحة التالية
Icon