قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ قَالُواْ يامُوسَى إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى ﴾ ؛ أي قالتِ السَّحرةُ : يَا مُوسَى إمَّا أنْ تُلْقِيَ عَصَاكَ إلى الأرض، وَإمَّا أنْ نَكُونَ أوَّلَ مَنْ ألْقَى الْعِصِيَّ والحبالَ، ﴿ قَالَ ﴾ لَهم موسى :﴿ بَلْ أَلْقُواْ ﴾ ؛ فألْقَوا حبالَهم وعِصِيَّهم.
روي أنَّهم كانوا سبعينَ ألفَ ساحرٍ، وكان عددُ ما عمِلُوا من الحبالِ والعصيِّ حِمْلَ ثلاثِمائة بعيرٍ، فألْقَوا ما معهم، ﴿ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى ﴾ ؛ أي تَمشي وتتحرَّكَ، وكانوا قد احتالُوا فيها بحيلةٍ، فكان كلُّ مَن رآها مِن بعيد يُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّها تتحركُ.
قرأ ابنُ عامر :(تُخَيِّلُ) بالتاء، ردَّهُ إلى الحبالِ والعِصِيِّ، وقرأ الباقون بالياء، ردُّوهُ إلى الكيدِ والسِّحر، وذلك أنَّهم لَطَّخُوا حبالَهم وعصيَّهم بالزِّئبقِ، فلما أصَابَهُ حرُّ الشمسِ ارتعشت واهتَزَّت، فظنَّ موسى أنَّها تقصده، ﴿ فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى ﴾ ؛ أي أحسَّ ووَجَدَ، وَقِيْلَ : أضْمَرَ في نفسه خِيْفَةً.
فإن قِيْلَ : لِمَ جازَ أمرُهم بالإلقاءِ وهو كفرٌ ؟ قِيْلَ : يجوزُ أن يكون معناهُ : ألْقُوا إنْ كنتم مُحِقِّيْنَ كما زعمتُم، ويجوزُ أن يكون أمراً بالإلقاءِ على وجه الاعتبارِ.
وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى * قُلْنَا لاَ تَخَفْ ﴾، فإن قِيْلَ : ما الذي خَافَهُ موسى ؟ قِيْلَ : خافَ أن يلتبسَ على الناسِ أمرُ السَّحَرَةِ فيتوهَّمون أنَّ حبالَهم وعصيهم بمنْزِلة عصاهُ. وَقِيْلَ : كان خوفهُ خوفَ الطبعِ لِمَا رأى من كثرةِ الحيَّات العِظَامِ.


الصفحة التالية
Icon