قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ ﴾ ؛ الزَّفِيْرُ شِدَّةُ النَّفَسِ بهَوْلِ ما يردُ على صاحبهِ، وهم فيها لا يَسْمَعُونَ شيئاً، ولا يرَى أحدٌ منهم أنَّ في النارِ أحداً يُعَذبُ غيرهُ. قال ابنُ مسعودٍ :(يُجْعَلُونَ فِي تَوَابيتَ مِنْ نَارٍ، ثُمَّ جُعِلَتْ تِلْكَ التَّوَابيْتُ فِي تَوَابيْتَ أُخْرَى فَلاَ يَسْمَعُونَ شَيْئاً).
" وعن رسولِ الله ﷺ : أنَّهُ أتَى قُرَيْشاً وَهُمْ فِي الْمَسْجِدِ مُجْتَمِعُونَ وَحَوْلَهُمْ ثَلاَثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ صَنَماً مَصْفُوفَةً، لِكُلِّ قَوْمٍ صَنَمٌ لَهُمْ، فَقَالَ ﷺ :" إنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ " ثُمَّ ذهَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَشُقَّ عَلَيْهِمْ ذلِكَ، فَأَتَاهُمْ عَبْدُاللهِ بْنُ الزُّبْعَرِىِّ فَرَآهُمْ يَتَهَامَسُونَ، فَقَالَ : فِيْمَ حَوْصُكُمُ؟! فَأَخْبَرَهُ الْوَلِيْدُ بْنُ الْمُغِيْرَةِ بمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَالَ ابْنُ الزُّبْعَرِىِّ : أمَا وَاللهِ لَوْ وَجَدْتُهُ لَخَصَمْتُهُ.
فَدَعَوا رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقَالَ ابْنُ الزبعرى : أنْتَ قُلْتَ أنَّا وَمَا نَعْبُدُ فِي النَّار ؟ قَالَ : خَصَمْتُكَ وَرَب الْكَعْبَةِ، ألَيْسَتِ الْيَهُودُ تَعْبُدُ عُزَيْراً، وَالنَّصَارَى تَعْبُدُ الْمَسِيْحَ، وَبَنِي مَلِيْحٍ يَعْبُدُونَ الْمَلاَئِكَةَ! أفَتَرَى أنَّ هَؤُلاَءِ لاَ يَكُونُونَ فِي النَّار ؟ فَبَيَّنَ لَهُ النَّبيُّ ﷺ أنَّ اللهَ تَعَالَى أرَادَ بهِ الأَوْثَانَ ". وفي الآية ما يدلُّ على ذلكَ ؛ لأنَّ قولَهُ تعالى﴿ وَمَا تَعْبُدُونَ ﴾[الأنبياء : ٩٨] لا يكون إلاَّ لِمَا لا يعقلُ، إذ لو أرادَ الملائكةَ والناسَ لقال (وَمَنْ تعبدون). ثُم أنزلَ اللهُ تعالى :
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ﴾ ؛ معناهُ : أنَّ عيسى وعُزَيراً والملائكةَ هم الذين سَبَقَتْ لَهم مِنَّا الْحُسْنَى ؛ أي وَجَبَتْ لَهم العِدَةُ من اللهِ تعالى بالبُشرى والسعادة.
ويدخلُ في هذه الآية جُملة المؤمنين ؛ لما رُوي لأنَّ عثمان سَمِعَ عليّاً كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ يقرأ هذه الآيةَ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ﴾ قال :(أنَا مِنْهُمْ وَأبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَسَعْدُ وَسَعِيْدُ وَعَبْدُالرَّحْمَنِ وَأبُو عُبَيْدَةَ). وقال الجنيدُ :(سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَ اللهِ الْعِنَايَةُ فِي الْهِدَايَةِ، فَظَهَرَتِ الْوِلاَيَةُ فِي النِّهَايَةِ).