قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ ﴾ ؛ قال ابنُ عباسٍ :(مَعْنَاهُ : كُلُّ الطَّعَامِ الْحَلاَلِ الْيَوْمَ وَهُوَ مَا سِوَى الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيْرِ كَانَ حِلاًّ لَبنِي يَعْقُوبَ عليه السلام، مِنْ قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ عَلَى مُوسَى عليه السلام ؛ إلاَّ الطَّعَامَ الَّذِي حَرَّمَهُ يَعْقُوبَ عَلَى نَفْسِهِ ؛ وَهُوَ لَحْمُ الإبلِ وألْبَانُهَا).
وذلك أنَّ يعقوبَ عليه السلام كان يَمشي إلى بيتِ المقدسِ فَلَقِيَهُ مَلَكٌ مِن الملائكة وهو خَلْفَ الأثقالِ، فظنَّ يعقوبُ أنه لِصٌّ ؛ فعالَجه ليصارعَه فكان كذلكَ حتى أضاءَ الفجرُ، فضمَّر الملَكُ فَخِذ يعقوبَ فهاج به عِرْقُ النَّسَا، فصعدَ الملَكُ إلى السَّماء، وجاء يعقوبُ يعرجُ حتى لَحِقَ الأثقالَ ؛ فكانَ يَبيْتُ الليلَ ساهراً مِن وَجَعِهِ ويَنْصَبُ نَهاره، فأقسَمَ لَئِنْ شفاهُ اللهُ لَيُحَرِّمَنَّ أحَبَّ الطعامِ والشراب على نفسهِ ؛ فشفاهُ الله من ذلكَ، فحرَّم أحبَّ الطعامِ والشراب إليه، وكان ذلك لُحُومَ الإبلِ وألبانَها، ثم اسَتَنَّ وَلَدُهُ سبيلَهُ. فذلك قولهُ :﴿ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ ﴾.
فلمَّا نزلَتْ هذهِ الآيةُ ؛ قال النبيُّ ﷺ لليهودِ :" مَا الَّذِي حَرَّمَ إسْرَائِيْلُ عَلَى نَفْسِهِ ؟ " قَالُواْ : كُلَّ شَيْءٍ حَرَّمْنَاهُ الْيَوْمَ عَلَى أنْفُسِنَا ؛ فَإنَّهُ كَانَ مُحَرَّماً عَلَى نُوحٍ عليه السلام فَهَلُمَّ جَرّاً حَتَّى انْتَهَى إلَيْنَا، وَأَنْتَ يَا مُحَمَّدُ وَأصْحَابُكَ تَسْتَحِلُّونَهُ، وَادَّعَواْ أنَّ ذلِكَ مَسْطُورٌ في التَّوْرَاةِ ".
وقال الكلبيُّ :(كَانَ هَذا حِيْنَ قالَ النَّبيُّ ﷺ :" أنَا عَلَى مِلَّةِ إبْرَاهِيْمَ عليه السلام " قَالَ الْيَهُودُ : كَيْفَ وَأَنْتَ تَأكُلُ الإبلَ وَأَلْبَانَهَا؟! فَقَالَ ﷺ :" كَانَ ذلِكَ حَلاَلاً لإبْرَاهِيْمَ فَنَحْنُ نُحِلُّهُ ". قَالَتِ الْيَهُودُ : كُلُّ شَيْءٍ أصْبَحْنَا الْيَوْمَ نُحَرِّمُهُ ؛ فَإنَّهُ كَانَ حَرَاماً عَلَى إبْرَاهِيْمَ وَنُوحٍ، وَهَلُمَّ جَرّاً حَتَّى انْتَهَى إلَيْنَا. " فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ تَكْذِيْباً لَهُمْ :﴿ كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ ﴾
. قََوْلُهُ تَعَالَى :﴿ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾، وذلك أنَّ الْيَهُودَ قَالَ لَهُمُ النَّبيُّ ﷺ :" مَا الَّذِي حَرَّمَ إسْرَائِيْلُ عَلَى نَفْسِهِ ؟ " قَالُواْ : كُلُّ شَيْءٍ نُحَرِّمُهُ الْيَوْمَ عَلَى أنْفُسِنَا. قَالَ اللهُ تَعَالَى لِلنَّبيِّ ﷺ :﴿ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ " أي فاقرأوها ؛ هل تَجدون فيها تَحريْمَ كلِّ ذِي نابٍ وَظُفُرٍ وتحريْمَ شُحُومِ البقرِ والغنمِ وغيرِ ذلك مِمَّا حرَّمَ اللهُ عليكم من الطيِّبات بعدَ نزولِ التوراة بظلمِكُم وبَغْيكُمْ، كما قالَ تعالى :{ فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ﴾[النساء : ١٦٠].
فَأَبَوا أن يأتُوا بالتوراةِ خوفاً من الفضيحةِ لِعِلْمِهِمْ بصِدْقِ النَّبيِ ﷺ فأنزلَ اللهُ تعالى قولَه تعالى :﴿ فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَـائِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ ؛ أي مَن اخْتَلَقَ على اللهِ الكذبَ بأن يُنَزِّلَ عليه ما لَم يُنْزِّلْهُ في كتابٍ مِن بعد ذلك، يقالُ من بعدَ قيامِ الحجَّة عليهِ : فَأوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ لأنَفُسِهِمْ.