قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿ فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً ﴾ ؛ أي إذا فرغتم من مُتَعَبَّدَاتِكُمْ ﴿ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ ﴾ عَزَّ وَجَلَّ بالخيرِ ﴿ كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ ﴾ بل أشدُّ ذكراً. وذلك أنَّهم كانوا يَقِفُونَ بعد قضاءِ المناسك يوم النحرِ بينَ المسجدِ الذي في مِنَى وبين الجبلِ، يتناشَدون الأشعارَ ويتفاخرون بذكرِ فضائلِ آبائهم، يقول أحدُهم : يا رب إنَّ عَبْدَكَ فُلاناً - يعني أباه - كان يفعلُ كذا وكذا من الخيرِ. فأمرَهُم الله تعالى أنْ يذكروهُ فهو الذي فَعَلَ ذلك الخيرَ إلى آبائهم، وأنَّ أيَادِيَهُ عندهم أكثرُ وأعظمُ من أيادي آبائهم عليهم.
وروي أنَّ النبيَّ ﷺ قال لَهم بعد نزول هذه الآية :" إنَّ اللهَ قَدْ أذهَبَ عَنْكُمْ نَخْوَةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَتَعَظُّمِهَا بالآبَاءِ، إنَّ النَّاسَ مِنْ آدَمَ وَإنَّ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ ؛ لاَ فَضْلَ لِعَرَبيٍّ عَلَى أعْجَمِيٍّ إلاَّ بالتَّقْوَى " ثُمَّ تَلاَ﴿ ياأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىا... ﴾[الحجرات : ١٣] الآيةُ.
وقال بعضُهم : معناهُ أذكُرُوا اللهَ بالتوحيدِ كما تذكرونَ آباءَكم بذلك ؛ فإنَّكم لا ترضَون أن تُنسَبُوا إلى أبَوَين، وكذلك لا ترضَون من أنفُسِكم باتِّخاذ إلَهَيْنِ.
وعن عطاءٍ والربيعِ والضحاك في قوله :﴿ كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ ﴾ :(هُوَ كَقَوْلِ الصَّغِيْرِ أوَّلَ مَا يَفْقََهُ الْكَلاَمَ (أبَهْ أبَهْ) أي اسْتَغِيثُواْ باللهِ وافْزَعُواْ إلَيْهِ فِي جَمِيْعِ أُمُوركُمْ ؛ كَمَا يَفْزَعُ الصَّغِيْرُ إلَى أبيْهِ فِي جَمِيْعِ أُمُورهِ وَيَلْتَحُّ بذِكْرِهِ). وعن أبي الجوزاءِ قالَ : قلتُ لابنِ عباس رضي الله عنه : أخْبرْنِي عَنْ قَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ :﴿ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ ﴾ وَقَدْ يَأْتِي عَلَى الرَّجُلِ الْيَوْمُ لاَ يَذْكُرُ أبَاهُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ :(لَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَكِنْ أنْ تَغْضَبَ للهِ إذا عُصِيَ أشَدَّ مِنْ غَضَبكَ لِوَالِدَيْكَ إذا شُتِمَا).
وأما وجهُ نصب ﴿ أشَدَّ ﴾ فقالَ الأخفشُ :(اذْكُرُوهُ ذِكْراً أشدَّ ذِكْراً). وقال الزجَّاجُ :(هُوَ فِي مَحَلِّ الْخَفْضِ، وَلَكِنَّهُ لاَ يَنْصَرِفُ لأَنَّهُ صِفَةٌ عَلَى وَزْنِ (أفْعَلَ). وَنُصِبَ ﴿ ذِكْراً ﴾ عَلَى التَّمْييْزِ).
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿ فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ ﴾ ؛ نزلت في مُشرِكي قريشٍ كانوا يقولون في عادتِهم في الحجِّ : اللهُمَّ ارزقنا إبلاً وبقراً وغَنَماً وعبيداً وإماءً وأموالاً. ولَم يكونوا يسألونَ لأنفُسِهم التوبةَ والمغفرةَ، كانوا لا يرجونَ إلا نعيمَ الدُّنيا، ولا يخافونَ البعثَ والنشورَ. فبيَّنَ اللهُ تعالى بقوله :﴿ وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ ﴾ أي من نَصِيْبٍ ولا ثوابٍ.
والمعنى : مَن يطلب بحَجِّهِ أمورَ الدُّنيا لا يريدُ بذلك ثوابَ الله تعالى، فلا نصيبَ لهُ في ثواب الآخرةِ. وقال أنسُ بن مالكٍ :(كَانُواْ يَطُوفُونَ بالْبَيْتِ عُرَاةً فَيَدْعُونَ وَيَقُولُونَ : اللَّهُمَّ اسْقِنَا الْمَطَرَ وَأعْطِنَا عَلَى عَدُوِّنَا الظَّفَرَ). وقال قتادةُ :(هَذَا عَبْدٌ نَوَى الدُّنْيَا ؛ لَهَا أنْفَقَ وَلَهَا عَمِلَ وَلَهَا نَصِبَ). فَهِيَ هَمُّهُ وَسُؤْلُهُ وَطَلَبُهُ.


الصفحة التالية
Icon