القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: والذين يتوفون منكم، من الرجال، أيها الناس، فيموتون، ويذرون أزواجا، يتربص أزواجهن بأنفسهن. (١)
* * *
فإن قال قائل: فأين الخبر عن"الذين يتوفون"؟
قيل: متروك، لأنه لم يقصد قصد الخبر عنهم، وإنما قصد قصد الخبر عن الواجب على المعتدات من العدة في وفاة أزواجهن، فصرف الخبر عن الذين ابتدأ بذكرهم من الأموات، إلى الخبر عن أزواجهم والواجب عليهن من العدة، إذ كان معروفا مفهوما معنى ما أريد بالكلام. وهو نظير قول القائل في الكلام: (٢) "بعض جبتك متخرقة"، (٣) في ترك الخبر عما ابتدئ به الكلام، إلى الخبر عن بعض أسبابه. وكذلك الأزواج اللواتي عليهن التربص، لما كان إنما ألزمهن التربص بأسباب أزواجهن، صرف الكلام عن خبر من ابتدئ بذكره، إلى الخبر عمن قصد قصد الخبر عنه، كما قال الشاعر: (٤)
لعلي إن مالت بي الرٌيح ميلة | على ابن أبي ذبان أن يتندما (٥) |
(٢) في المخطوطة والمطبوعة: "هو نظير" بإسقاط الواو، والواجب إثباتها.
(٣) يعني أن حق الكلام كان أن يقول: "بعض جبنك متخرق"، بالتذكير خبرا عن"بعض"، فصرفه إلى"جبتك".
(٤) هو ثابت قطنة العتكي، واسمه" ثابت بن كعب".. ذهبت عينه في الحرب، فكان يحشوها بقطنة، وهو شاعر فارسي من شعراء خراسان في عهد الدولة الأموية، قال فيه حاجب الفيل:
لا يعرف الناس منه غير قطنته | وما سواها من الأنساب مجهول |
أرقت ولم تأرق معي أم خالد | وقد أرقت عيناي حولا مجرما |
على هالك هد العشيرة فقده، | دعته المنايا فاستجاب وسلما |
على ملك، يا صاح، بالعقر جبنت | كتائبه، واستورد الموت معلما |
أصيب ولم أشهد، ولو كنت شاهدا | تسليت أن لم يجمع الحي مأتما |
وفي غير الأيام يا هند، فاعلمي، | لطالب وتر نظرة إن تلوما |
فعلي، إن مالت............ | ................... |