القول في تأويل قوله :﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ ﴾
قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله جل ثناؤه عما هو قائل يوم القيامة لهؤلاء العادلين به الآلهة والأنداد، يخبر عبادَه أنه يقول لهم عند ورودهم عليه:"لقد جئتمونا فرادى".
ويعني بقوله:"فرادى"، وُحدانًا لا مال معهم، ولا إناث، ولا رقيق، (١) ولا شيء مما كان الله خوّلهم في الدنيا ="كما خلقناكم أوّل مرة"، عُرَاة غُلْفًا غُرْلا حُفاة، كما ولدتهم أمهاتهم، (٢) وكما خلقهم جل ثناؤه في بطون أمهاتهم، لا شيء عليهم ولا معهم مما كانوا يتباهَوْن به في الدنيا.
* * *
و"فرادى"، جمع، يقال لواحدها:"فَرِد"، كما قال نابغة بني ذبيان:
مِنْ وَحْشِ وَجْرَةَ مَوْشيٍّ أَكَارِعُهُ... طَاوِي المَصِيرِ كَسَيْفِ الصَّيْقَلِ الفَرِدِ (٣)
(٢) "غلف جمع"أغلف"، وهو الذي لم يختتن. و"الغرل" جمع"أغرل"، وهو أيضًا الذي لم يختتن، وهذا حديث مسلم في صحيحه من حديث عائشة: "يحشر الناس يوم القيامة حفة عراة غرلا" (١٧: ١٩٢، ١٩٣).
(٣) ديوانه: ٢٦، واللسان (فرد)، وغيرهما كثير. من قصيدته المشهورة التي اعتذر بها إلى النعمان بن المنذر، يقول قبله في صفة الثور:
كأنّ رَحْلِي وَقَدْ زَالَ النَّهَارُ بِنَا | يَوْمَ الجَلِيلِ عَلَى مُسْتَأنِسٍ وَحَدِ |