معناه: إن الله سائل هذه الأعضاء عما قال صاحبها، من أنه سمع أو أبصر أو علم، تشهد عليه جوارحه عند ذلك بالحقّ، وقال أولئك، ولم يقل تلك، كما قال الشاعر:
ذُمَّ المَنازِلَ بَعْدَ مَنزلَةِ اللَّوَى... والعَيْشَ بَعْدَ أُولَئِكَ الأيَّامِ (١)
وإنما قيل: أولئك، لأن أولئك وهؤلاء للجمع القليل الذي يقع للتذكير والتأنيث، وهذه وتلك للجمع الكثير، فالتذكير للقليل من باب أَنْ كان التذكير في الأسماء قبل التأنيث لك التذكير للجمع الأوّل، والتأنيث للجمع الثاني، وهو الجمع الكثير، لأن العرب تجعل الجمع على مثال الأسماء.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿ وَلا تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولا (٣٧) كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨) ﴾
يقول تعالى ذكره: ولا تمش في الأرض مختالا مستكبرا( إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ ) يقول: إنك لن تقطع الأرض باختيالك، كما قال رُؤْبة:
وقاتِمِ الأعماقِ خاوِي المُخْتَرَق (٢)
سَرتِ الهُمومُ فَبِتْنَ غَيرَ نِيامِ | وأخُو الهُمومِ يَرُومُ كلَّ مَرَامِ |
(٢) البيت مطلع أرجوزة مطولة (١٧١ بيتا في ديوان رؤبة طبع ليبج سنة ١٩٠٣م، ص ١٠٤) وهو شاهد على أن قوله المخترق بمعنى القطع كما في قوله تعالى: "إنك لن تخرق الأرض" أي لن تقطع الأرض. ويريد بقائم الأعماق : واديا مظلم النواحي لما كثر فيه من الغبار الثائر. والخاوي : الخالي. والمخترق : الممر والمقطع. وقال أبو عبيدة في مجاز القرآن ( ١ : ٣٨٠ ) " إنك لن تخرق الأرض " : مجاز " لن تقطع الأرض. وقال رؤبة:... البيت أي المقطع. وقال آخرون : إنك لن تنقب الأرض وليس بشيء.