يبين تعالى اغترار اليهود والنصارى بما هم فيه، حيث ادعت كل طائفة من اليهود والنصارى أنه لن يدخل الجنة إلا من كان على ملتها فأكذبهم الله تعالى كما تقدم من دعواهم أنه لن تمسهم النار إلا أياماً معدودة ثم ينتقلون إلى الجنة، ورد عليهم تعالى في ذلك، وهكذا قال لهم في هذه الدعوى التي ادعوها بلا دليل ولا حجة ولا بينة ﴿ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ﴾ قال أبو العالية : أمانيّ تمنوها على الله بغير حق، ثم قال تعالى :﴿ قُلْ ﴾ أي يا محمد ﴿ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ ﴾ أي حجتكم ﴿ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ أي فيما تدعونه.
ثم قال تعالى :﴿ بلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ أي من أخلص العمل لله وحده لا شريك له، كما قال تعالى :﴿ فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ وَمَنِ اتبعن ﴾ [ آل عمران : ٢٠ ] الآية. وقال سعيد بن جبير :﴿ بلى مَنْ أَسْلَمَ ﴾ أخلص ﴿ وَجْهَهُ ﴾ قال : دينه ﴿ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ أي اتبع فيه الرسول ﷺ، فإنَّ للعمل المتقبل شرطين : أحدهما : أن يكون خالصاً لله وحده، والآخر أن يكون صواباً موافقاً للشريعة، فمتى كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يتقبل، ولهذا قال رسول الله ﷺ :« من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد » فعمل الرهبان ومن شابههم - وإن فرض أنهم مخلصون فيه لله - فإنه لا يتقبل منهم حتى يكون ذلك متابعاً للرسول ﷺ المبعوث إليهم وإلى الناس كافة، وفيهم وأمثالهم قال الله تعالى :﴿ وَقَدِمْنَآ إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً ﴾ [ الفرقان : ٢٣ ] وقال تعالى :﴿ والذين كفروا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظمآن مَآءً حتى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً ﴾ [ النور : ٣٩ ] وقال تعالى :﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ * تصلى نَاراً حَامِيَةً * تسقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ ﴾ [ الغاشية : ٢-٥ ]. وروي عن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه أنه تأولها في الرهبان كما سيأتي، وأما إن كان العمل موافقاً للشريعة في الصورة الظاهرة ولكن لم يخلص عامله القصد لله فهو أيضاً مردود على فاعله وهذا حال المرائين والمنافقين، كما قال تعالى :﴿ إِنَّ المنافقين يُخَادِعُونَ الله وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قاموا إِلَى الصلاة قَامُواْ كسالى يُرَآءُونَ الناس وَلاَ يَذْكُرُونَ الله إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ [ النساء : ١٤٢ ]، وقال تعالى :﴿ فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الذين هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ * الذين هُمْ يُرَآءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الماعون ﴾ [ الماعون : ٤-٧ ] ولهذا قال تعالى :﴿ فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً ﴾ [ الكهف : ١١٠ ] وقال في هذه الآية الكريمة :﴿ بلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾، وقوله :﴿ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ ضمن لهم تعالى على ذلك تحصيل الأجور وآمنهم مما يخافونه من المحذور ﴿ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾ فيما يستقبلونه، ﴿ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ على ما مضى مما يتركونه.