اشتملت هذه الآية الكريمة على جمل عظيمة، وقواعد عميقة، وعقيدة مستقيمة، فإن الله تعالى لما أمر المؤمنين أولاً بالتوجُّه إلى بيت المقدس، ثم حوّلهم إلى الكعبة، شقَّ ذلك على نفوس طائفة من أهل الكتاب وبعض المسلمين، فأنزل الله تعالى بيان حكمته في ذلك، وهو أن المراد إنما هو طاعة الله عزّ وجلّ، وامتثال أوامره، والتوجه حيثما وجّه، واتباع ما شرع، فهذا هو البر والتقوى والإيمان الكامل، وليس في لزوم التوجه إلى جهة المشرق أو المغرب برٌّ ولا طاعة، إن لم يكن عن أمر الله وشرعه، ولهذا قال :﴿ ولكن البر مَنْ آمَنَ بالله واليوم الآخر ﴾ كما قال في الأضاحي والهدايا :﴿ لَن يَنَالَ الله لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا ولكن يَنَالُهُ التقوى مِنكُمْ ﴾ [ الحج : ٣٧ ]. وقال ابن عباس في هذه الآية : ليس البر أن تصلُّوا ولا تعلموا، فأمر الله بالفرائض والعمل بها، وقال أبو العالية : كانت اليهود تُقْبل قبل المغرب، وكانت النصارى تُقْبل قبل المشرق، فقال الله تعالى ﴿ لَّيْسَ البر أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المشرق والمغرب ﴾ يقول : هذا كلام الإيمان وحقيقته العمل، وقال مجاهد : ولكن البر ما ثبت في القلوب من طاعة الله عزّ وجلّ، ﴿ والكتاب ﴾ وهو اسم جنس يشمل الكتب المنزلة من السماء على الأنبياء، حتى ختمت بأشرفها وهو القرآن المهيمن على ما قبله من الكتب، الذي انتهى إليه كل خير، واشتمل على كل سعادة في الدنيا والآخرة، ونسخ به كل ما سواه من الكتب قبله وآمن بأنبياء الله كلهم من أولهم إلى خاتمهم محمد صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين وقوله تعالى :﴿ وَآتَى المال على حُبِّهِ ﴾ أي أخرجه وهو محبٌ له راغب فيه، كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعاً :« أفضل الصدقة أن تصدَّق وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى وتخشى الفقر » وقال رسول الله ﷺ :« ﴿ وَآتَى المال على حُبِّهِ ﴾ أن تعطيه وأنت صحيح شحيح تأمل العيش وتخشى الفقر »، وقال تعالى :﴿ وَيُطْعِمُونَ الطعام على حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً ﴾ [ الإنسان : ٨-٩ ]، وقال تعالى :﴿ لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾ [ آل عمران : ٩٢ ] وقوله :﴿ وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾ [ الحشر : ٩ ] نمط آخر أرفع من هذا وهو أنهم آثروا بما هم مضطرون إليه، وهؤلاء أعطوا وأطعموا ما هم محبون له.
وقوله تعالى :﴿ ذَوِي القربى ﴾ وهم قرابات الرجل، وهم أولى من أعطى من الصدقة كما ثبت في الحديث :« الصدقة على المساكين صدقة وعلى ذوي الرحم ثنتان : صدقة وصلة، فهم أولى الناس بك وبِبرَّك وإعطائك » وقد أمر الله تعالى بالإحسان إليهم في غير موضع من كتابه العزيز ﴿ واليتامى ﴾ هم الذين لا كاسب لهم وقد مات آباؤهم وهم ضعفاء صغار دون البلوغ، والقدرة على التكسب، وقد قال رسول الله ﷺ :