يخبر تعالى إخباراً عاماً يعم جميع الخليقة بأن كل نفس ذائقة الموت كقوله تعالى :﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجلال والإكرام ﴾ [ الرحمن : ٢٦-٢٧ ]، فهو تعالى وحده الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون، وكذلك الملائكة وحملة العرش وينفرد الواحد الأحد القهار بالديمومة والبقاء فيكون آخراً كما كان أولاً، وهذه الآية فيها تعزية لجميع الناس فإنه لا يبقى أحد على وجه الأرض حتى يموت، فإذا انقضت المدة وفرغت النطفة التي قدر الله وجودها من صلب آدم وانتهت البرية، أقام الله القيامة وجازى الخلائق بأعمالها جليلها وحقيرها، كثيرها وقليلها، كبيرها وصغيرها، فلا يظلم أحداً مثقال ذرة، ولهذا قال تعالى :﴿ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ القيامة ﴾ وروى ابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : لما توفي النبي وجاءت التعزية جاءهم آت يسمعون حسه ولا يرون شخصه فقال : السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الموت وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ القيامة ﴾ أي في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفاً من كل هالك، ودركاً من كل فائت، فبالله ثقوا وإياه فارجو، فإن المصاب من حرم الثواب والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، قال جعفر بن محمد : فأخبرني أبي أن علي بن أبي طالب قال : أتدرون من هذا؟ هذا الخضر عليه السلام، وقوله :﴿ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النار وَأُدْخِلَ الجنة فَقَدْ فَازَ ﴾ أي من جنب النار ونجا منها وأدخل الجنة فقد فاز كل الفوز. وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ :« موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها اقرءوا إن شئتم :﴿ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النار وَأُدْخِلَ الجنة فَقَدْ فَازَ ﴾ ».
وقوله تعالى :﴿ وَما الحياة الدنيا إِلاَّ مَتَاعُ الغرور ﴾ تصغير لشأن الدنيا، وتحقير لأمرها، وأنها دنيئة فانية قليلة زائلة كما قال تعالى :﴿ بَلْ تُؤْثِرُونَ الحياة الدنيا * والآخرة خَيْرٌ وأبقى ﴾ [ الأعلى : ١٦-١٧ ] وقال :﴿ وَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الحياة الدنيا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ الله خَيْرٌ وأبقى ﴾ [ القصص : ٦٠ ]، وفي الحديث :« والله ما الدنيا في الآخرة إلا كما يغمس أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بم ترجع إليه » وقال قتادة : هي متاع متروكة أوشكت - والله الذي لا إله إلا هو - أن تضمحل عن أهلها، فخذوا من هذا المتاع طاعة الله إن استطعتم ولا قوة إلا بالله.
وقوله تعالى :﴿ لَتُبْلَوُنَّ في أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ﴾ كقوله تعالى :﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الخوف والجوع وَنَقْصٍ مِّنَ الأموال والأنفس والثمرات ﴾ [ البقرة : ١٥٥ ] إلى آخر الآيتين، أي لا بد أن يبتلى المؤمن في شيء من ماله أو نفسه أو ولده أو أهله، ويبتلى المؤمن على قدر دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في البلاء ﴿ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الذين أشركوا أَذًى كَثِيراً ﴾، يقول تعالى للمؤمنين عند مقدمهم المدينة قبل وقعة بدر، مسلياً لهم عما ينالهم من الأذى من أهل الكتاب والمشركين، وآمراً لهم بالصفح والعفو حتى يفرج الله، فقال تعالى :﴿ وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذلك مِنْ عَزْمِ الأمور ﴾، قال ابن أبي حاتم، عن أسامة بن زيد : كان النبي ﷺ وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله، ويصبرون على الأذى، قال تعالى :﴿ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الذين أشركوا أَذًى كَثِيراً ﴾، قال : وكان رسول الله ﷺ يتأول في العفو ما أمره الله به حتى أذن الله فيهم.


الصفحة التالية
Icon