يخبر تعالى عن طائفة من أهل الكتاب أنهم يؤمنون بالله حق الإيمان، ويؤمنون بما أنزل على محمد مع ما هم مؤمنون به من الكتب المتقدمة، وأنهم خاشعون لله أي مطيعون له خاضعون متذللون بين يديه، لا يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً أي لا يكتمون ما بأيديهم من البشارة بمحمد ﷺ، وذكر صفته ونعته ومبعثه وصفة أمته، وهؤلاء ثم خيرة أهل الكتاب وصفوتهم سواء كانوا هوداً أو نصارى، وقد قال تعالى :﴿ الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾ [ القصص : ٥٢ ] الآية. وقد قال تعالى :﴿ الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أولئك يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ [ البقرة : ١٢١ ] الآية. وقد قال تعالى :﴿ وَمِن قَوْمِ موسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ ﴾ [ الأعراف : ١٥٩ ]، وقال تعالى :﴿ لَيْسُواْ سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ الكتاب أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ الله آنَآءَ الليل وَهُمْ يَسْجُدُونَ ﴾ [ آل عمران : ١١٣ ]، وقال تعالى :﴿ إِنَّ الذين أُوتُواْ العلم مِن قَبْلِهِ إِذَا يتلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً ﴾ [ الإسراء : ١٠٧-١٠٨ ]. وهذه الصفات توجد في اليهود ولكن قليلاً، كما وجد في ( عبد الله بن سلام ) وأمثاله ممن آمن من أحبار اليهود ولم يبلغوا عشرة أنفس، وأما النصارى، فكثير منهم يهتدون وينقادون للحق، كما قال تعالى :﴿ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ الناس عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ اليهود والذين أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الذين قالوا إِنَّا نصارى ﴾ [ المائدة : ٨٢ ]، إلى قوله تعالى :﴿ فَأَثَابَهُمُ الله بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خَالِدِينَ فِيهَا ﴾ [ المائدة : ٨٥ ] الآية. وهكذا قال هاهنا :﴿ أولائك لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ الآية.
وقد ثبت في الحديث أن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه لما قرأ سورة ﴿ كهيعص ﴾ [ مريم : ١ ] بحضرة النجاشي ملك الحبشة وعند البطاركة والقساوسة بكى وبكوا معه حتى أخضبوا لحاهم، وثبت في الصحيحين أن النجاشي لما مات نعاه النبي ﷺ إلى أصحابه، وقال :« إن أخاً لكم بالحبشة قد مات فصلّوا عليه » فخرج إلى الصحراء فصفهم وصلى عليه، وروى ابن أبي حاتم، عن أنَس بن مالك قال : لما توفي النجاشي، قال رسول الله ﷺ :« استغفرا لأخيكم »، فقال بعض الناس : يأمرنا أن نستغفر لعلج مات بأرض الحبشة، فنزلت :﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الكتاب لَمَن يُؤْمِنُ بالله وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ للَّهِ ﴾ الآية. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد :﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الكتاب ﴾ يعني مسلمة أهل الكتاب، وقال عباد بن منصور : سألت الحسن البصري عن قول الله :﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الكتاب لَمَن يُؤْمِنُ بالله ﴾ الآية، قال : هم أهل الكتاب الذين كانوا قبل محمد ﷺ فاتبعوه وعرفوا الإسلام فأعطاهم الله تعالى أجر اثنين، للذي كانوا عليه من الإيمان قبل محمد ﷺ، واتباعهم محمداً ﷺ.


الصفحة التالية
Icon