يقول تعالى :﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ ﴾ أي فرضت طاعته على من أرسله إليهم، وقوله :﴿ بِإِذْنِ الله ﴾ قال مجاهد : أي لا يطيع أحد إلى بإذني يعني لا يطيعه إلا من وفقته لذلك، كقوله :﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ الله وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ ﴾ [ آل عمران : ١٥٢ ] أي عن أمره وقدره ومشيئته وتسليطه إياكم عليهم، وقوله :﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظلموا أَنْفُسَهُمْ ﴾ الآية، يرشد تعالى العصاة والمذنبين إذا وقع منهم الخطأ والعصيان أن يأتوا إلى الرسول ﷺ فيستغفروا الله عنده ويسألوه أن يستغفر لهم، فإنهم إذا فعلوا ذلك تاب الله عليهم ورحمهم وغفر لهم، ولهذا قال :﴿ لَوَجَدُواْ الله تَوَّاباً رَّحِيماً ﴾ وقد ذكر جماعة منهم الشيخ أبو منصور الصباغ في كتابه « الشامل » الحكاية المشهورة عن العتبي قال : كنت جالساً عند قبر النبي ﷺ فجاء أعرابي فقال : السلام عليك يا رسول الله، سمعت الله يقول :﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظلموا أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ فاستغفروا الله واستغفر لَهُمُ الرسول لَوَجَدُواْ الله تَوَّاباً رَّحِيماً ﴾، وقد جئتك مستغفراً لذنبي مستشفعاً بك إلى ربي، ثم أنشأ يقول :
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه | فطاب من طيبهن القاع والأكم |
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه | فيه العفاف وفيه الجود والكرم |
وقوله تعالى :﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حتى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾، يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة، أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول ﷺ في جميع الأمور، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطناً وظاهراً، ولهذا قال :﴿ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ في أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً ﴾ أي إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم، فلا يجدون في أنفسهم حرجاً مما حكمت به، وينقادون له في الظاهر والباطن فيسلمون لذلك تسليماً كلياً، من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة، كما ورد في الحديث :« والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به »، وقال البخاري عن عروة، قال :« خاصم الزبير رجلاً في شراج الحرة، فقال النبي ﷺ » اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك « فقال الأنصاري : يا رسول الله أن كان ابن عمتك؟ فتلوَّن وجه رسول الله ﷺ، ثم قال :» اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجَدْر ثم أرسل الماء إلى جارك « فاستوعى النبي ﷺ للزبير حقه في صريح الحكم حين أحفظه الأنصاري، وكان أشار عليهما ﷺ بأمر لهما فيه سعة، قال الزبير : فما أحسب هذه الآية إلا نزلت في ذلك ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حتى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾ الآية. وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه : خاصم الزبير رجلاً إلى النبي ﷺ فقضى للزبير، فقال الرجل : إنما قضى له لأنه ابن عمته، فنزلت :﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ الآية.