يخبر تعالى أنه مالك السموات والأرض وأنه الحاكم فيهما ولهذا قال :﴿ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ ﴾ أي وصيناكم بما وصيناهم به من تقوى الله عزَّ وجلَّ بعبادته وحده لا شريك له، ثم قال :﴿ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض ﴾ الآية، كما قال تعالى إخباراً عن موسى أنه قال لقومه :﴿ إِن تكفروا أَنتُمْ وَمَن فِي الأرض جَمِيعاً فَإِنَّ الله لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ [ إبراهيم : ٨ ]، وقال :﴿ فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ واستغنى الله والله غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ [ التغابن : ٦ ] أي غني عن عباده، ﴿ حَمِيدٌ ﴾ أي محمود في جميع ما يقدره ويشرعه، وقوله :﴿ وَللَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض وكفى بالله وَكِيلاً ﴾ أي هو القائم على كل نفس بما كسبت، الرقيب الشهيد على كل شيء، وقوله :﴿ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا الناس وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ الله على ذلك قَدِيراً ﴾ أي هو قادر على إذهابكم وتبديلكم بغيركم إذا عصيتموه، كما قال :﴿ وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يكونوا أَمْثَالَكُم ﴾ [ محمد : ٣٨ ] قال بعض السلف : ما أهون العباد على الله إذا أضاعوا أمره!! وقال تعالى :﴿ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى الله بِعَزِيزٍ ﴾ [ فاطر : ١٦-١٧ ] أي وما هو عليه بممتنع.
وقوله تعالى :﴿ مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدنيا فَعِندَ الله ثَوَابُ الدنيا والآخرة ﴾ أي يا من ليس له همة إلا الدنيا اعلم أن عند الله ثواب الدنيا والآخرة، وإذا سألته من هذه وهذه أعطاك وأغناك وأقناك، كما قال تعالى :﴿ فَمِنَ الناس مَن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي الدنيا وَمَا لَهُ فِي الآخرة مِنْ خَلاَقٍ ﴾ [ البقرة : ٢٠٠ ]. وقال تعالى :﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرة نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ﴾ [ الشورى : ٢٠ ] الآية، وقال تعالى :﴿ مَّن كَانَ يُرِيدُ العاجلة عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ﴾ [ الإسراء : ١٨ ] الآية. وقوله :﴿ فَعِندَ الله ثَوَابُ الدنيا والآخرة ﴾ ظاهر في حصول الخير في الدنيا والآخرة، أي بيده هذا وهذا، فلا يقتصران قاصر الهمة على السعي للدنيا فقط، بل لتكن همته سامية إلى نيل المطالب العالية في الدنيا والآخرة فإن مرجع ذلك كله إلى الذي بيده الضر والنفع، وهو الله الذي لا إله إلا هو، الذي قد قسم السعادة والشقاوة بين الناس في الدنيا والآخرة، وعدل بينهم فيما علمه فيهم ممن يستحق هذا، وممن يستحق هذا، ولهذا قال :﴿ وَكَانَ الله سَمِيعاً بَصِيراً ﴾.