يخبر تعالى عمن دخل في الإيمان ثم رجع فيه، ثم عاد فيه، ثم رجع واستمر على ضلالة وازداد حتى مات، فإنه لا توبة بعد موته، ولا يغفر الله له، ولا يجعل له مما هو فيه فرجاً ولا مخرجاً ولا طريقاً إلى الهدى، ولهذا قال :﴿ لَّمْ يَكُنِ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً ﴾ قال ابن أبي حاتم عن ابن عباس، في قوله تعالى :﴿ ثُمَّ ازدادوا كُفْراً ﴾ قال : تمادوا على كفرهم حتى ماتوا. وعن علي رضي الله عنه أنه قال : يستتاب المرتد ثلاثاً، ثم تلا هذه الآية :﴿ إِنَّ الذين آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازدادوا كُفْراً لَّمْ يَكُنِ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً ﴾، ثم قال :﴿ بَشِّرِ المنافقين بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾، يعني أن المنافقين من هذه الصفة فإنهم آمنوا ثم كفروا، فطبع على قلوبهم، ثم وصفهم بأنهم يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، بمعنى أنهم معهم في الحقيقة يوالونهم ويسرون إليهم بالمودة، ويقولون لهم إذا خلوا بهم ﴿ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ﴾ [ البقرة : ١٤ ] أي بالمؤمنين في إظهارنا لهم الموافقة قال الله تعالى منكراً عليهم فيما سلكوه من موالاة الكافرين ﴿ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ العزة ﴾ ثم أخبر الله تعالى بأن العزة كلها له وحده لا شريك له ولمن جعلها له كما قال تعالى في الآية الأخرى :﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ العزة فَلِلَّهِ العزة جَمِيعاً ﴾ [ فاطر : ١٠ ] وقال تعالى :﴿ وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ولكن المنافقين لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ [ المنافقون : ٨ ]، والمقصود من هذا التهييج على طلب العزة من جناب الله، والإقبال على عبوديته والانتظام في جملة عباده المؤمنين، الذين لهم النصرة في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد.
وقوله تعالى :﴿ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الكتاب أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ الله يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حتى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ ﴾، أي إنكم إذا ارتكبتم النهي بعد وصوله إليكم، ورضيتم بالجلوس معهم في المكان الذي يكفر فيه بآيات الله ويستهزأ وينتقص بها، وأقررتموهم على ذلك فقد شاركتموهم في الذي هم فيه. فلهذا قال تعالى :﴿ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ ﴾ في المأثم كما جاء في الحديث :« من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر »، والذي أحيل عليه في هذه الآية من النهي في ذلك، هو قوله تعالى في سورة الأنعام وهي مكية :﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الذين يَخُوضُونَ في آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ [ الأنعام : ٦٨ ] الآية. قال مقاتل بن حيان : نَسَختْ هذه الآية التي في سورة الأنعام، يعني نسخ قوله :﴿ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ ﴾، لقوله :﴿ وَمَا عَلَى الذين يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ ولكن ذكرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ [ الأنعام : ٦٩ ]، وقوله :﴿ إِنَّ الله جَامِعُ المنافقين والكافرين فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً ﴾، أي كما أشركوهم في الكفر، كذلك يشارك الله بينهم في الخلود في نار جهنم أبداً، ويجمع بينهم في دار العقوبة والنكال والقيود والأغلال وشراب الحميم والغسلين.


الصفحة التالية
Icon