لما تضمن قوله تعالى :﴿ إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ ﴾ [ النساء : ١٦٣ ] إلى آخر السياق إثبات نبوته ﷺ والرد على من أنكر نبوته من المشركين وأهل الكتاب قال الله تعالى :﴿ لكن الله يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ ﴾، أي وإن كفر به من كفر به ممن كذبك وخالفك، فالله يشهد لك بأنك رسوله الذي أنزل عليه الكتاب وهو القرآن العظيم الذي :﴿ لاَّ يَأْتِيهِ الباطل مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ [ فصلت : ٤٢ ]، ولهذا قال :﴿ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ ﴾، أي فيه علمه الذي أراد أن يطلع العباد عليه من البينات والهدى والفرقان، وما يحبه الله ويرضاه، وما يكرهه ويأباه، وما فيه من العلم بالغيوب من الماضي والمستقبل، وما فيه من ذكر صفاته تعالى المقدسة التي لا يعلمها نبي مرسل ولا ملك مقرب إلا أن يعلمه الله به، كما قال تعالى :﴿ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ ﴾ [ البقرة : ٢٥٥ ] وقال :﴿ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ﴾ [ طه : ١١٠ ].
وقال ابن أبي حاتم عن عطاء بن السائب قال : أقرأني أبو عبد الرحمن السلمي القرآن، وكان إذا قرأ عليه أحدنا القرآن قال : قد أخذت علم الله، فليس أحد اليوم أفضل منك إلا بعمل، ثم يقرأ قوله :﴿ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ والملائكة يَشْهَدُونَ وكفى بالله شَهِيداً ﴾. قوله :﴿ والملائكة يَشْهَدُونَ ﴾ أي بصدق ما جاءك وأوحى إليك وأنزل عليك مع شهادة الله تعالى بذلك، ﴿ وكفى بالله شَهِيداً ﴾ قال محمد بن إسحاق عن ابن عباس قال : دخل على رسول الله ﷺ جماعة من اليهود، فقال لهم :« إني لأعلم والله إنكم لتعلمون أني رسول الله »، فقالوا : ما نعلم ذلك، فأنزل الله عزَّ وجلَّ :﴿ لكن الله يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ ﴾ الآية.
وقوله تعالى :﴿ إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله قَدْ ضَلُّواْ ضلالا بَعِيداً ﴾ أي كفروا في أنفسهم فلم يتبعوا الحق، وسعوا في صد الناس عن اتباعه والاقتداء به، قد خرجوا عن الحق وضلوا عنه وبعدوا منه بعداً عظيماً شاسعاً، ثم أخبر تعالى عن حكمه في الكافرين بآياته وكتابه ورسوله، الظالمين لأنفسهم بذلك وبالصد عن سبيله، وارتكاب مآثمه، وانتهاك محارمه بأنه لا يغفر لهم ﴿ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً ﴾ أي سبيلاً إلى الخير ﴿ إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ ﴾، وهذا استثناء منقطع ﴿ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ﴾ الآية.
ثم قال تعالى ﴿ ياأيها الناس قَدْ جَآءَكُمُ الرسول بالحق مِن رَّبِّكُمْ فَآمِنُواْ خَيْراً لَّكُمْ ﴾، أي قد جاءكم محمد صلوات الله وسلامه عليه بالهدى ودين الحق والبيان الشافي من الله عزَّ وجلَّ، فآمنوا بما جاءكم به واتبعوه يكن خيراً لكم، ثم قال :﴿ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي السماوات والأرض ﴾ أي فهو غني عنكم وعن إيمانكم، ولا يتضرر بكفرانكم كما قال تعالى :﴿ وَقَالَ موسى إِن تكفروا أَنتُمْ وَمَن فِي الأرض جَمِيعاً فَإِنَّ الله لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ [ إبراهيم : ٨ ]، وقال هاهنا :﴿ وَكَانَ الله عَلِيماً ﴾ أي بمن يستحق منكم الهداية فيهديه، وبمن يستحق الغواية فيغويه ﴿ حَكِيماً ﴾ أي في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره.