قال ابن عباس : نزلت هذه الآية في رهط من أصحاب النبي ﷺ قالوا : نقطع مذاكيرنا، ونترك شهوات الدنيا، ونسيح في الأرض كما يفعل الرهبان، فبلغ ذلك النبي ﷺ، فأرسل إليهم فذكر لهم ذلك، فقالوا : نعم، فقال النبي ﷺ :« لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وأنكح النساء، فمن أخذ بسنتي فهو مني ومن لمن يأخذ بسنتي فليس مني »، وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن ناساً من أصحاب رسول الله ﷺ سألوا أزواج النبي ﷺ عن عمله في السر، فقال بعضهم : لا آكل اللحم، وقال بعضهم : لا أتزوج النساء، وقال بعضهم : لا أنام على فراش، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال :« ما بال أقوام يقول أحدهم كذا وكذا، لكني أصوم وأفطر، وأنام واقوم وآكل اللحم وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني » وعن ابن عباس : أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال : يا رسول الله إني إذا أكلت من هذا اللحم انتشرت للنساء، وإني حرمت عليَّ اللحم، فنزلت :﴿ ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ الله لَكُمْ ﴾، وقال سفيان الثوري عن عبد الله بن مسعود قال : كنا نغزو مع النبي ﷺ، وليس معنا نساء فقلنا : ألا نستخصي، فنهانا رسول الله ﷺ عن ذلك، ورخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل، ثم قرأ عبد الله :﴿ ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ الله لَكُمْ ﴾ الآية، وهذا كان قبل تحريم نكاح المتعة، والله أعلم. وعن مسروق قال : كنا عند عبد الله بن مسعود فجيء بضرع فتنحّى رجل، فقال له عبد الله : أدن. فقال : إني حرمت أن آكله، فقال عبد الله : ادن فأطعم وكفر عن يمينك، وتلا هذه الآية :﴿ ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ الله لَكُمْ ﴾ الآية.
وقد ذهب بعض العلماء كالشافعي وغيره إلى أن من حرم مأكلاً أو ملبساً أو شيئاً ما عدا النساء أنه لا يحرم عليه ولا كفارة عليه أيضاً لقوله تعالى :﴿ ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ الله لَكُمْ ﴾، ولأن الذي حرّم اللحم على نفسه لم يأمره النبي ﷺ بكفارة، وذهب آخرون منهم الإمام ( أحمد بن حنبل ) إلى أن من حرّم مأكلاً أو مشرباً أو ملبساً أو شيئاً من الأشياء فإنه يجب عليه بذلك كفارة يمين كما إذا التزم تركه باليمين، فكذلك يؤاخذ بمجرد تحريمه على نفسه إلزاماً له بما التزمه كما أفتى بذلك ابن عباس، وكما في قوله تعالى :


الصفحة التالية
Icon