يقول الله تعالى ناهياً لرسوله ﷺ والمؤمنين عن سب آلهة المشركين، وإن كان فيه مصلحة إلاّ أنه يترتب عليه مفسدة أعظم منها، وهي مقابلة المشركين بسب إله المؤمنين، وهو ﴿ الله لا إله إِلاَّ هُوَ ﴾ [ البقرة : ٢٥٥، آل عمران : ٢ ]، كما قال ابن عباس في هذه الآية : قالوا : يا محمد لتنتهين عن سب آلهتنا أو لنهجون ربك، فنهاهم الله أن يسبوا أوثانهم، ﴿ فَيَسُبُّواْ الله عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾، وقال قتادة : كان المسلمون يسبون أصنام الكفار، فيسب الكفار الله عدواً بغير علم، فأنزل الله :﴿ وَلاَ تَسُبُّواْ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله ﴾، وروى ابن جرير عن السدي أنه قال : لما حضر أبا طالب الموت قالت قريش : انطلقوا فلندخل على هذا الرجل، فلنأمره أن ينهى عنا ابن أخيه، فإنا نستحيي أن نقتله بعد موته، فتقول العرب : كان يمنعهم، فلما مات قتلوه، فانطلق أبو سفيان وأبو جهل، والنضر بن الحارث، وأمية وأُبي ابنا خلف، وعقبة بن أبي معيط، وعمرو بن العاص، والأسود بن البختري، « وبعثوا رجلاً منهم يقال له المطلب، قالوا : استأذن لنا على أبي طالب، فأتى أبا طالب فقال : هؤلاء مشيخة قومك يريدون الدخول عليك، فأذن لهم عليه فدخلوا، فقالوا : يا أبا طالب أنت كبيرنا وسيدنا، وإن محمداً قد آذانا وآذى آلهتنا، فنحب أن تدعوه فتنهاه عن ذكر آلهتنا، ولندعه وإلهه، فدعاه فجاء النبي ﷺ فقال له أبو طالب : هؤلاء قومك وبنو عمك، قال رسول الله ﷺ :» ما تريدون؟ « قالوا : نريد أن تدعنا وآلهتنا ولندعك وإلهك، فقال النبي ﷺ :» أرأيتم إن أعطيتكم هذا هل أنتم معطي كلمة إن تكلمتم بها ملكتم بها العرب ودانت لكم بها العجم، وأدت لكم الخراج «؟ قال أبو جهل : وأبيك لنعطينكها وعشرة أمثالها قالوا : فما هي؟ قال :» قولوا لا إله إلاّ الله «، فأبوا واشمأزوا، قال أبو طالب : يا ابن أخي، قل غيرها فإن قومك قد فزعوا منها، قال :» يا عم ما أنا بالذي يقول غيرها، حتى يأتوا بالشمس فيضعوها في يدي، ولو أتوا بالشمس فوضعوها في يدي ما قلت غيرها « إرادة أن يؤيسهم، فغضبوا، وقالوا : لتكفن عن شتم آلهتنا أو لنشتمنك ونشتم من يأمرك، فذلك قوله :﴿ فَيَسُبُّواْ الله عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ » ومن هذا القبيل، وهو ترك المصلحة لمفسدة أرجح منها، ما جاء في الصحيح « أن رسول الله ﷺ قال :» ملعون من سب والديه «، قالوا : يا رسول الله وكيف يسب الرجل والديه؟ قال :» يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه «، أو كما قال ﷺ. وقوله :﴿ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ﴾ أي وكما زينا لهؤلاء القوم حب أصنامهم والمحاماة لها والانتصار ﴿ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ ﴾ أي من الأمم الخالية على الضلال ﴿ عَمَلَهُمْ ﴾ الذي كانوا فيه، ولله الحجة البالغة والحكمة التامة فيما يشاؤه ويختاره ﴿ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ مَّرْجِعُهُمْ ﴾ أي معادهم ومصيرهم ﴿ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ أي يجازيهم بأعمالهم إن خيراً فخير وإن شراً فشر.